البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الاستواء

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

وهل يستطيع أهل الْحَدِيث أن يأتوا بأسانيد لِجميع أشعار العرب التي احتجَّ بِها الْمفسّروون؟ وهل يستطيع ابن تيمية أن يأتي بأسانيد للأشعار التي احتجَّ بِها لتأكيد عقيدة التجسيم؟.

وجَهْلُ الخليل الفراهيدي أنَّ (استوى) تكون بِمعنى (استولى) -إن ثبت عنه ذلك- لا يقدِّم ولا يؤخِّر؛ لأَنَّه بشر مَحدود القدرات والطاقات، ولا نعترف بالرجل الخارق الذي يتوهَّمه أهل الْحَدِيث أثناء تلفيقهم الروايات لتعظيم أئمتهم، ولكن مع ذلك نطالب من ادَّعى على الفراهيدي هذه الدعوى أن يأتي بالبيّنة على دعواه، وكما طالب هؤلاء بسند لبيت الأخطل نطالبهم بسند لِما نسبوه للفراهيدي، خاصَّة وأنَّ ابن تيمية يؤكِّد بُطلان ما نُسب إلى الفراهيدي وبقية علماء اللغة حين قال بعد ذلك: "روي عن جَماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: لا يَجُوز استوى بِمعنى استولى إِلاَّ في حقِّ من كان عاجزاً ثُمَّ ظهر، وأيضاً فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بِمعنى استولى إِلاَّ فيما كان منازعاً مغالباً"([35]). فطالَما أكّد أهل اللغة الذين ذكرهم ابن تيمية أن استوى تأتي بِمعنى استولى مع الْمغالبة، فكيف يقال: إنَّ الْخليل جهل هذا الْمَعنَى؟، والمغالبة تتأتى مِمَّا نألفه في أوهامنا من مغالبة لبعضنا بعضاً، ولكنَّ الله لا يشابه خلقه لا في فعل ولا في صفة فانتفت شبهة الْمغالبة، وربما اختلف علماء اللغة في إثبات شرط المغالبة في تحقق الاستواء، فبينما يذهب من يعتمدهم ابن تيمية إلى إثبات المغالبة يذهب الآخرون إلى عدم اشتراطها، إلا أنا مع ذلك نقول أن المغالبة -إن ثبت وجوبها- إنما هي ناشئة من مألوف الوهم والله تعالى لا يقاس بخلقه.

ويقول شاعر عربي آخر:

١٢٥ / ١٦١