البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الاستواء

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

وقد يطالبنا أهل الْحَدِيث بسند للبيت كما طالبوا بسند لبيت الأخطل!، وكأنَّ القَضيَّة هي قضية إثبات نسبة هذا البيت لقائله من عدمه، بينما استدلالنا بِهذه الأبيات منشؤه الاستئناس بأبيات شعر عربية فصيحة لا بطلان في معانيها، وموافقة لِما هو معلوم من اللُّغة العربية بأنَّ الاستواء يكون بِمعنى القهر والاستيلاء مَجازاً.

ومن بين احتجاجات أهل الْحَدِيث أيضاً قول أبي يعلى الفراء "وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأَرض السابعة؛ لأَنَّ الله قادر على كُلّ شيء والأَرض، فالله قادر عليها وعلى الْحشوش وعلى كُلّ ما في العالم، فلو كان الله مستوياً على العرش بِمعنى الاستيلاء وهو تعالى مستول على الأَشيَاء كُلّها لكان مستوياً على العرش وعلى الأَرض وعلى السماء وعلى الْحشوش والأقذار".

وهذا الاحتجاج مبني على توهّم ذات الله كالاجرام المحتاجة للاستقرار، وأن العرش جرم فضائي كسرير غرفة النوم يستلقي الله تعالى عليه!. فالله تعالى لا شكَّ قاهر ومستولٍ على السماوات والأَرض بِما فيها مِمَّا تستحسنه عقلية الفراء أو تستقبحه، والاستواء لا يعني الْجلوس والاستقرار كما يتوهَّم الفراء حتى نقول إنَّ الله غير مستو على الْحشوش والأقذار، فكلُّ ما ذكر الفراء مسلّم لِجلال الله لاهج بالتسبيح له مقرّ بقهر الله واستيلائه عليه.

وحين خَوَت جُعبة ابن تيميَّة من الشبهات التي يدافع بِها عن عقيدة أهل الْحَدِيث أعاد تشغيل أسطوانة السلف الْمقدَّس!، فقال: "إنَّ هذا التفسير لَم يفسّره أحد من السلف"([36]).

١٢٦ / ١٦١