مسألة الرؤية
الجزء ١ · صفحة ١٣١2- قَوله تَعَالَى: ?وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي?([11]).
فلو كانت الرؤية جائزة الحصول يوم القيامة، لَحصلت لِموسى عليه السلام على سبيل الْمُعجِزة، كما هو الْحال مع بقية المعجزات التي تَخرق قانون الكَوْن الدنيَوِي، لكن ردُّ الله تعالى كان قاطعاً جازماً حاسماً، ليؤكِّد على استحالة الرُّؤية التي طلبها موسى عليه السلام، ويبرهن لقومه استحالة الرؤية كما سنرى لاحقاً.
ولو عرض أهل الْحَدِيث أدلَّتهم في هذه القَضيَّة العقدية الْخطيرة على مِحَكّ هذه الْمنظومة من القواعد الكلية الْمُحكَمة المستنبطة من النُّصُوص القطعية من الكتاب العزيز، والصحيح الثابت من السُّنَة النَّبوية الْمجتَمَع عليها، والأَدِلَّة الْعَقلِيَّة القطعية لَمَا توصَّلوا إلى هذه النتيجة الفاسدة.
ولْنأتي الآن إلى أَدِلَّة أهل الْحَدِيث الْعَقلِيَّة:
أولاً: قالوا إنَّ كُلّ موجود مرئي، فالله تعالى موجود وهو يُرى.
وتناسى أهل الْحَدِيث أنَّ هناك أَشيَاء كثيرة موجودة ولا ترى، كالرُّوح وموجات الصوت والهاتف والإذاعة والتلفزيون وغيرها، ولعلَّ البعضَ يقول: إنَّ الله تعالى قادر بِمشيئته أن يُرينا الروح!، وهذا القول قائم على التصور العبثي لِمشيئة الله تعالى، فقد دلَّت النُّصُوص القطعية من الكتاب العزيز على عدم إمكانية رؤية أو معرفة حقيقة الروح، حيث يقول تعالى: ?وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً?([12]). هذا النَّص القطعيُّ الدلالة يؤكِّد أنَّ مشيئة الله اختارت عدم قدرة الإنسان على اكتشاف سِرّ الروح، ونحن وإن تنَازلنا وقلنا بِجواز رؤية الروح فإنَّه لا يَجُوز قياس الروح الْمَخلُوقة بالخالق عز وجل.