البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الرؤية

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

فكان جواب السيدة عائشة لِما تفوَّه به كعب الأحبار حازماً صارماً موجِّهاً لِمسروق وللأمَّة جَمعاء إلى كيفيّة التعامل مع مثل هذه الأفكار، حيث قالت: "لقد قفَّ شعري مِمَّا قلت!!. أين أنت من ثلاث!؟، من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أنَّ مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم رأى رَبّه فقد كذب، ثُمَّ قرأت: ?لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ?، ?وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أنَّ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ?([19])، ومن حدَّثك أنَّه يعلم ما في غد فقد كذب، ثُمَّ قرأت ?وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا?([20])، ومن حدّثك أنَّه كتم فقد كذب، ثُمَّ قرأت ?يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنَّزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّك…?([21]) الآية، ولكن رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين"([22]).

لكن أمُّ الْمؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لَمْ تسلم من سلاطة لسان أهل الْحَدِيث ودفاعهم الْمستميت عن عقيدة التجسيم، حيث تعقَّبها ابن خزيمة بكلام قبيحٍ قائلاً: "ليس يَحسن في اللفظ أن يقول قائل أو قائلة: قد أعظم ابن عبّاس الفرية"، وقال أيضاً: "ولكن قد يتكلَّم الْمرء عند الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها"، وقال واصفاً إيَّاها بالجهل: "فتفهموا يا ذوي الْحجا هذه النكتة، تعلموا أنَّ ابن عباس -رضي الله عنهما- وأبا ذر وأنس بن مالك ومن وافقهم لم يعظموا الفرية على الله"([23]).

مِمَّا حدى بِمُحمَّد خليل هراس بالردِّ عليه قائلاً: "عائشة -رضي الله عنها- أنَّها كانت تستعظم ذلك وتستنكره، ولهذا قالت لِمسروق: لقد قفَّ شعري مِمَّا قلت، وليس من حقِّ الْمؤلّف أن يعلِّم أمَّه الأدب، فهي أدرى بِمَا تقول منه"([24]).

١٣٤ / ١٦١