البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الرؤية

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

واستدلال الرازي الْمتناقض هو أضعف من أن يحتاج إلى إضعاف؛ لأنَّ كُلّ من صحا عقله من سكرة الْهوى، وسلم ذوقه من فساد الفطرة يدرك بطلانه، فإِنَّ النفي في قَوله تَعَالَى: ?لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ? لَم يَخص ببعض الأبصار دون بعض، وإِنَّما يعمّها بلفظه الصريح الذي تؤيده القرائن، وذلك أنَّ التعريف في الأبصار قاض بعمومها، سواء حَملناه على الْجنس أو الاستغراق، فإِن حَملناه على الاستغراق فهو أظهر من أن يَحتاج إلى بيان، إذ لا معنى للاستغراق إِلاَّ شُمول أفراد مدلول اللفظ، وإِن حَملناه على الْجِنس فمن حيث إنَّ أيّ فرد من أفراد جنس ما يوجد مدلول ذلك الْجِنس ضمنه إثباتاً أو نفياً، ولو كان هذا القول صحيحاً لَما حكم بالحنث على من يقسم بالله بالأيمان الْمغلظة أنَّه لَم يَزر القبور مع أنَّه يتردد على زيارتها في كُلّ أوقاته، إذ لا يعقل أن يزور جَميع القبور في الأَرض، فإِن قيل: لعل تعريف الأبصار عند هذا القائل عهديّ ليس للجنس ولا للاستغراق، فجوابه أنَّ حَمله على العهد مناف لِما تَدُلُّ عليه الآية من التمدح الذي يقتضيه سياق ما قبلها وما بعدها، والعهد لاَ بُدَّ له من معهود، ولا معهود، ولو فرضنا أنَّ ثَمَّ معهوداً، فهل يُمكن أن يكون نفي شيء عن معهود قاضياً بإثباته لغيره؟ وهل هذا إِلاَّ من باب الاحتجاج بِمفهوم اللقب، الذي لا يعول عليه في الظنيات، فكيف بالقطعيات؟([4]).

١٣٨ / ١٦١