الحديث الآحاد والعقائد:
الجزء ١ · صفحة ١٤مِن هنا أَجْمعت الأمَّة على وجوب التواترِ في هذه الأخبارِ الواردة عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لكي يُبنَى عَليها العلم اليقيني الضرورِي الذي لا يَجد الإنسان دفعاً له في قلبه، والذي يُمكن أن يُؤسِّس عليه عقيدة راسخة لا يَجوز مُخَالفتها، بَينما تَمَّ الإجماعُ أيضاً على أنَّ الأخبارَ التي تَأتي مِن طُرقٍ أقلّ من حدِّ التواتر فَهي أخبار آحاد تفيد الظنَّ، مُوجبة للعمل إن كانت متَّفِقة ومنظومة مع القواعدِ المحكمة المستنبطَة من النصوصِ القطعيَّة من الكتاب العزيز والسنَّةِ المجتمَع عليها والدلائل الكونية القطعية الثابتة، لَكِنَّها لا تصلح لتأسيس بنيان العقيدة.
يقول النووي: "وأمَّا خَبر الواحد فهو ما لَم يوجد فيه شروط المتواتر، سواء كان الراوي له واحداً أو أكثر. واختلف في حكمه، فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدِّثين والفقهاء وأصحاب الأصول أنَّ خبر الواحد الثقة حجَّة من حجج الشرع، يلزم العمل بِه ويُفيد الظنَّ ولا يفيد العلم، وأنَّ وجوبَ العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل"([11]).
والكلام عَن خَبر الواحد إِنَّمَا هو عن الخبر الموافق لِمنظومة القواعد العامَّة التي رَسَّختها نصوص القرآن الكريم، والسنَّة المجتمع عليها، ودلائل العقل السليم.
واختلف في أقلِّ حدٍّ للتواتر؛ فقيل: خَمسة طرق، وقيل: عشرة في كُلِّ طبقة من طبقات الإسناد، وقيل: أكثر من ذلك، بَيد أن هناك شرطاً مُهمًّا للتواتر، وهو اتِّفَاق ثقاتِ الأمَّة من الصحابة وتابعيهم بإحسان عليه، وعدم اختلافهم فيه.
يقول الشيخ ابن بركة: "والسنَّةُ على ضربين: فسنَّة قَد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحَّتِها. وسنَّة مُختلف فيها، ولَم يَبلغ الكلُّ عِلمها، وهي التي يقَع التنازعُ بينَ الناس في صحَّتِها"([12]).