الحديث الآحاد والعقائد:
الجزء ١ · صفحة ١٥والرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته هم من أكثر الناس تطبيقاً لقاعدة ظنِّية الخبر الآحاد، وعدم القطع بصحَّتِه. ومن أمثلة ذلك: "أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهر أو العصر ركعتين، فقال له رجل يُعرَف بذي اليدين: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : لَم أَنسَ ولم تقصر. ثُمَّ قال للناس: أكما قال ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدَّم وصلَّى ما ترك"([13]). فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لَم يَكتف في هذه الرواية بِخَبر ذي اليدين، فأراد أن يتأكَّد ليقطَعَ الشكَّ باليقين، علماً بأنَّ القضيَّة عمليَّة وليست اعتقاديَّة.
وأبو بكر الصديق حينَ جاءته جدَّة تُريد أن تورَّث، فقال لَها: ما أجد لك في كتاب الله شَيئاً، وما علمت أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك، ثُمَّ سألَ الناسَ، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فلَم يَتيَقَّن أبو بكر من كلاَمِه فقال له: هَل معك أحد؟ فشَهِد مُحمَّد بن مسلمة بِمثل ذلك، فأنفذَه أبو بكر([14]).
أمَّا عمر بن الخطاب فَحين أَخبره أحد الأنصار عن قصَّة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مع زَوجاته ونزولِ قوله تعالى: (;إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا);([15]) في زَوجات النَّبِيّ، لَم يقطع عمر بصدق الخبر فذهب بنفسه لسؤال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
وجاءه أبو موسى الأشعرى فاستأذن ثلاث مرَّات فلم يُؤذَن لَه فَرجَع، فأرسلَ عمر في أثَره قال: لِمَ رجعت؟ قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سلَّمَ أحدكم ثلاثاً فلم يُجَب فَليرجع»، فلم يقطع عمر بصدق خبره وقال له: والله لتقيمن عليه بيِّنَة. أمنكم أحد سَمعه من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ؟ فأكَّد له أبَيّ بن كعب صِدق كلام أبي موسى([16]).