مسألة الرؤية
الجزء ١ · صفحة ١٤١وربط الله تعالى لِهذه الاستحالة باستقرار الْجبل في قوله: ?وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِن اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي? لا يَدُلُّ على إمكانيتها لارتباطها باستقرار الْجبل وهو مُمكن في ذاته كما يدَّعي البعض([11])، وذلك؛ لأنَّ الله تعالى هو علاّم الغيوب، وكان يعلم أنَّ الْجَبَل يَستحيل أن يستقرَّ مكانه، فاستقرار الْجَبَل شيء مستحيل؛ لأنَّ الله تعالى علم أنَّه لن يستقر.
أَمَّا تَجلّي الله للجبل فهو تعبير مَجازي يراد به تَجلِّي بعض آيات الله للجبل، فخرّ الْجَبَل وصار دكًّا، وكيف لا يَخرّ الْجَبَل وهو من الضعف أمام جبروت الله بِحيث لو أنزل عليه القرآن لتصدّع من خشية الله،
يقول تعالى: ?لَوْ أنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ?([12]). وقَوله تَعَالَى: ?فَلَمَّا أَفَاقَ? أي موسى تعالى من الصَّعقة ?قَالَ: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ? أي: تبت إليك من مسألتي أنِّي أنظر إليك، ?وَأناْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ? الْمصدِّقين بأنَّه لا يراك أحد.
والعجيب تكلّف الفخر الرزاي الغريب حيث اضطرَّ إلى الادِّعاء أنَّ الله تعالى خَلق حياةً وعقلاً وفهماً للجبل كي يستطيع أن يراه!، فقد قال: "لا يتمنع أن يقال: إِنَّه تعالى خلق في ذات الْجَبَل الْحَيَاة والعقل والفهم، ثُمَّ خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى!"([13])، وافتراض الرازي مُمتنع؛ لأنَّه مَحض ظنّ لا دليل عليه، بل إنَّ الدليل القطعي يُخالفه؛ لأنَّ الْحس والعقل الذي خاطبه تعالى يشهد بأنَّ الْجبال لا حياة لَها ولا عقول ولا أفهام، هذه هي سنة الله تعالى في خلقه، والله I يقول: ?فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً?([14]).