البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الرؤية

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

والأعجب منه ادِّعاء أهل الْحَدِيث أنَّ الْجزء الْمتجلّي من الله تعالى! للجبل كان كَالخنصر!، فقد رَوُوا عن أنس بن مالك أنَّه قال: "لَما تَجلّى ربُّه للجبل رفع خنصره، وقبض على مفصل منها، فانساخ الْجَبَل"، وفي لفظ آخر: "قال: فحكاه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فوضع خنصره على إبْهامه فساخ الْجَبَل، فتقطع"([15])، ولفظ آخر: "أخرج طرف بنصره، وضرب على إبهامه، فساخ الْجَبَل"([16]). وراوي هذه الرواية الشنيعة هو حَمّاد بن سلمة([17]) الذي اشتهر برواية الروايات الْمنكَرة كرِواية «خلق الله الفرس فأجراها فعرقت، ثُمَّ خلق نفسه منها»([18]).

وقد يَحتجُّ أهل الْحَدِيث بالقول: إِنَّ طلب موسى للرؤية يدلُّ على جوازها؛ لأنَّه نبِيّ ولا يَجُوز للأنبياء سؤال المستحيل، والواقع أنَّ طلب موسى للرؤية كان بسبب إلحاح قومه([19]). ولو لَم تكن الرؤية مستحيلة لَحصلت لِموسى تعالى، أو حصلت لِمُحمَّد صلى الله عليه وسلم على سبيل الْمُعجِزة وخرق العادة، لكنَّها لم تَحصل أبداً مِمَّا يؤكد على أنَّها مستحيلة، وثبوتها يوم القيامة كما يدَّعي هؤلاء يلزمهم إمكانيتها في الدنيا على الأقل للأنبياء على سبيل الْمُعجِزة، لكنَّها لَم تَحدث البتَّة، بل إنَّ موسى تعالى أصابته الصعقة مع قومه لَمَّا سألَها!.

١٤٢ / ١٦١