مسألة الرؤية
الجزء ١ · صفحة ١٤٣والصعقة التي أصابت موسى تعالى أصابت قومه معه كما رأينا في قَوله تَعَالَى: ?فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ?([20])، فالقرآن الكريم بسرده لِهذه القصة يؤكّد على أنَّ اعتقاد رؤية الباري هو من شأن الْمعاندين الْمستكبرين الذين حقّ عليهم نزول الصاعقة في الدنيا والخزي في الآخرة، يقول تعالى: ?وَقَالَ الَّذِينَ لاَيَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أنَزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا?([21])، فهؤلاء الوثنيون يعلقون إيمانَهم بالمستحيل كنُزول الملائكة، ورؤيتهم لله جهرة كما ترى الأصنام، فيقول الله تعالى بعد ذلك مؤكِّدا استحالة رؤية الله تعالى: ?يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا?([22])، فأثبت رؤية الْملائكة المستحيلة في الدنيا إِلاَّ للأنبياء، ولم يُثبت رؤية الْخَالِق له؛ لأنَّها مستحيلة.
واحتجَّ أهل الْحَدِيث لإثبات عقيدة الرؤية بقَوله تَعَالَى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ?([23])، وهذا الاحتجاج يجري في نفس سياق إِنكار الْمجاز، ومنع التأوِيل، مع أنَّ قَوله تَعَالَى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ? يقصد به أنَّ أولياء الله تنضر وجوههم وتشرق بالسعادة والفرحة العظيمة ببشرى الفوز ودخول الجنَّة. يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: "نَضَرَ الورق والشجر والوجه يَنضُرُ نُضُوراً ونُضرة ونَضارة فهو ناضر: حسنٌ. قال: ينضُرُ وجهُهُ فهو ناضِرٌ من فعله، قال الله: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ?، ووجهه منضور، من فعْل اللهِ"([24]).
أَمَّا قَوله تَعَالَى: ?إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ? أي: ينظرون إلى الله ليدخلهم الْجنَّة ويتمِّم سعادتَهم، وهو تعبير مَجازي مشهور في لغة العرب، ومنه قول القائل: