مسألة الرؤية
الجزء ١ · صفحة ١٤٤فالنظر هنا لا يراد به الرؤية كما توهم أهل الْحَدِيث، بل قصد به انتظار الْجائزة الكبرى والعطية العظمى وهي الْجنة.
وقد قال أرباب اللغة إنَّ "النظر" لا يعني الرؤية فقط، بل له معاني مَجازية أخرى كثيرة. يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: "نَظَرَ إليه ينظرُ نَظَراً، ويَجُوز التخفيف في الْمصدر تَحمله على لفظ العامَّة في الْمصادر، وتقول: نَظَرتُ إلى كذا وكذا من نظر العين ونظر القلب، وقَوله تَعَالَى: ?وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ?([26]) أي لا يرحمهم. وقد تقول العرب: نَظَرتُ لك، أي: عطفت عليك، وقال الله تعالى ?وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ?، ولم يقل: لا ينظُرُ لهم، فيكون بِمعنى التَعَطُّف. ويقول القائل للمُؤَمَّل يرجوه: إِنَّما أنظُر إلى الله ثُمَّ إليك، أي: أتوقَّع فضلَ الله ثُمَّ فضلَكَ"([27]).
قال الربيع بن حبيب البصري (ت: 174هـ): "ومصداق ما روينا عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم والتابعين بإحسان من أنَّ النظر هو الانتظار قول الله تعالى: ?مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ?([28])، يعني ما ينتظرون، وليس بِمعنى النظر بالابصار، وقال: ?وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ?([29])، وقال: ?هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أنَّ تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ?([30])، ونحوه من القرآن، ومصداق ذلك في اللغة قول القائل: إِنَّما أنظر إلى الله ثُمَّ إليك. يعني: أنَّه ينتظر ما يأتيه من قبله"([31]).