البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الرؤية

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

وردَّ أهل الْحَدِيث هذا الكلام، وقالوا بأنَّ النظر إذا عدي بِحرف الْجرّ "إلى" أفاد الرؤية بالأبصار فقط!. حيث يقول ابن عبد العزّ: "فإِنَّ النظر له عدة استمعالات، بِحسب صلاته وتعديه بنفسه. وإِن عدّي بإلى فمعناه الْمعاينة بالأبصار، كقَوله تَعَالَى: ?انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ?([32])، فكيف إذا أضيف للوجه الذي هو مَحلّ البصر"([33]).

وكلام ابن عبد العزّ غير مسلّم به، فالنظر إذا عدّي بإلى لا يفيد الرؤية بالأبصار فقط، حتى لو أضيف إلى الوجوه، والدليل على ذلك قَوله تَعَالَى: ?وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ?، فلو كان الْمَقصُود بأنَّ النظر الْمعدى بإلى يعني الرؤية، لكان معنى الآية هو أنَّ الله لا يرى الْمجرمين يوم القيامة، وهو معنى فاسد، ولكن الْمَقصُود بالآية هو ما ذكره الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي قال: "وقَوله تَعَالَى: ?وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? أي: لا يرحمهم"([34]).

وقد بيَّنا من أقوال العرب وأشعارهم ما يثبت تَهاوي دعوى ابن أبي العزِّ، ونضيف إليها القول الْمنسوب إلى حسَّان بن ثابت:

ومعلوم أنَّ الْمُسلِمين في بدر لَم يروا الله بأبصارهم، ولكنَّهم كانوا ينتظرون نصره.

١٤٥ / ١٦١