البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الرؤية

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

وابن عبد العزّ نفسه استخدم النظر معدّى بإلى ولَم يقصد به الرؤية بالبصر في نفس كتابه السابق، ناقلاً عن شيخه أبي شامة في كتاب "الحوادث والبدع" القول: "فالمراد لزوم الْحَقّ واتباعه، وإِن كان الْمتمسّك به قليلاً، والْمخالف له كثيراً؛ لأنَّ الْحَقّ هو الذي كانت عليه الْجماعة الأولى من عهد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه y، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"([35]). والنظر إلى أهل الباطل لا يكون بالبصر بل بالمعرفة؛ لأنَّ الأعمى الذي لا عين له يعلم أيضاً أنَّ أهل الباطل كُثر!. وقال ابن عبد العزّ في نفس كتابه السابق: "فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب، بالقول الوجيز، الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الْجليل، الذي لا يتوهَّم أوضح منه([36]). مع العلم بأنَّ الاحتجاج ليس جسماً يرى بالعين بل هو معرفة تدرك بالعقل.

وكذلك فعل ابن الْقَيِّم في قوله "فأبو حنيفة -رحمه الله- نظر إلى أنَّ الإذن في الفعل إِنَّما وقع مشروطاً بالسلامة، وأحمد ومالك -رحمهما الله- نظرا إلى أنَّ الإذن أسقط الضمان، والشافعي -رحمه الله- نظر إلى أنَّ الْمقدر لا يُمكن النقصان منه فهو بِمنزلة النصّ، وَأَمَّا غير الْمقدر كالتعزيرات والتأديبات فاجتهادية"([37])، وابن الْقَيِّم لم يقصد أنَّ أبا حنيفة والشافعي رأوا الحكم ببصرهم، لَكِنَّه قصد أنَّهم عرفوه بعقولهم. وقال ابن الْقَيِّم أيضاً: "السابعة إذا أسقطا الْخيار قبل التبايع ففيه خلاف فمن منعه نظر إلى تقدّمه على السبب، ومن أجازه وهو الصحيح، قال: الفرق بينهما أنَّهما قد عقدا العقد على هذا الوجه"([38]). والنظر هنا التفكّر، ولا علاقة له بالعين والضوء والظلمة!.

١٤٦ / ١٦١