البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الرؤية

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

أنَّ النظر الْمعدّى بإلى لا يَعني الرؤية فقط. فيظلّ الإجمال قائماً في الْمَعنَى الْمَقصُود، وقد بيّنا سابقاً أنَّ الْمجمل هو من جنس الْمُتشَابه الذي يردّ إلى الْمُحكَم، فتردّ هذه الرواية إلى قَوله تَعَالَى: ?وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ? وإلى الرواية السابقة والتي جاء فيها «فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رَبّ، وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضوانِي فلا أسخط عليكم بعده أبداً»، وسيتبيّن أنَّ الْمَقصُود بالنظر أنَّه الرضوان.

الرابع: هذه الرواية مُختصرة من رواية طويلة مليئة بالْخرافات والأساطير الْهرمسية، وقد أكَّد ابن حجر العسقلاني على هذه الْحقيقة بقوله: "فقال: «ستعرضون عَلى رَبّكم فترونه كما ترون القمر» الْحَدِيث مُختصر"([3]). وقال قبل ذلك: "حديث أبِي سعيد هذا كأنَّه مُختصر من الْحَدِيث الطويل الْماضي في تفسير سورة النساء"([4]).

قال ابن خزيمة مؤكِّداً على حقيقة اختصار الروايات: "فأصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم رُبَّمَا اختصروا أخبار النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إذا حدّثوا بِها، وَرُبَّمَا اقتصّوا الْحَدِيث بتمامه، وَرُبَّمَا كان اختصاراً بعد الإخبار، أو بعض السامعين يَحفظ بعض الْخَبر، ولا يحفظ جَميع الْخَبر، وَرُبَّمَا نسي بعد الْحفظ بعض الْمتن، فإذا جُمعت الأخبار كلها عُلم حينئذ جَميع الْمتن، واستُدلَّ ببعض الْمتن على بعض. كذكرنا أخبار النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في كِتابنا"([5]).

١٥٤ / ١٦١