البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الرؤية

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

فأصل روايات الرؤية القصيرة كالتي رأيناها سابقاً والتي يدّعي أهل الْحَدِيث تواترها، هو حديث الرؤية الطويل الذي رواه أهل الْحَدِيث من طريق أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وسوف نقطّعه للقاريء الكريم بِسبب طوله الغريب الْمصادم للمعهود من روايات الرسول صلى الله عليه وسلم!، حَتَّى نتمكَّن من مناقشة أفكاره. وفيه أنَّ الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«هل تضارُّون في القمر لَيلة البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فهل تضارُّون في الشمس ليس دونَها سحاب؟». قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فإِنَّكم ترونه كذلك، يَجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتَّبعه، فيتَّبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتَّبع من كان يعبد القمر القمر، ويتَّبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: أنَا رَبّكم، فيقولون: هذا مكاننا حَتَّى يأتينا ربّنا، فإذا جاءنا ربّنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنَا رَبّكم، فيقولون: أنت رَبّنا فيتَّبعونه»([6]).

إِنَّ وصف الله تعالى أنَّه يأتِي ويراه الناس، بل إِنَّهم ينكرونه كما ينكرون الأشباح؛ لأنَّه غير صورته التي عرفوه بِها!، هو عين التجسيم، ومن ذا الذي يدّعي أنَّه يعرف صورة الله تعالى؟!، إِنَّ إثبات الصورة لله تعالى فيه إثبات للجارحة وردّ لقَوله تَعَالَى: ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، أَمَّا قوله: «ثُمَّ يأتيهم ربّهم»، ففيه إثبات للحركة والانتقال، وهو مصادم لقَوله تَعَالَى: ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، وفيه أيضاً إثبات الْهزل لله تعالى وكأنَّه يلهو مع عباده، وفيه وصف لله بالْخداع والكذب إذ يتقلَّب لَهم في صورة بعد أخرى، وفيه تشبيه لله تعالى بالشمس والقمر والطواغيت؛ لأنَّها أيضاً تتحرَّك أمام من عبدها!.

١٥٥ / ١٦١