الحديث الآحاد والعقائد:
الجزء ١ · صفحة ١٨هذا بالإضافة إلى أَنَّهُ ثَبَت بالسنَّة المتواترة وجوب قبول خَبَر الآحاد في المسائل العمليَّة، وللبخاري في صَحيحه باب كامل يؤكِّد فيه على أنَّ الحديثَ الآحاد يوجب العمل، وأَسْمى هذا الباب "باب ما جاء في إجازة خَبَر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام" وفيه الأحاديث من 7246 إِلَى 7267.
وكذلك جاء تَطبيق الصحابة لقاعدة قبول خَبَر الآحاد غير المصادمِ للنصوص القطعيَّة والدواعي العقلية والقوانين الكونية، والذي يتوافَق وكليَّات الشريعة وعمومات الكتاب العزيز في المسائل العملية التي لا نصَّ فيها، حيث اختلفَ الناس في مسألة دخول البلد التي حلَّ بِها الطاعون حين خرجَ عمر بن الخطاب t إلى الشام حَتَّى أخبرهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بأنَّه سَمِع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سَمِعتم الطاعون بأرض قوم فلا تُقدِّمُوا عليه وإذَا وقع بأرض وأنتم بِها فلا تَخرُجوا منها» فعمل الصحابة بِمَا أخبرهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ([32]) لِموافقته الخبرة البشريَّة التي تَدُلُّ على انتقال الطاعون عَن طريق الاقتراب من الشخصِ المصابِ، وموافقته عموم قوله تعالى (;وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ);([33]).
بَيد أنَّ أهل الحديث عارضوا إجماع الأمَّة بأنَّ خَبر الآحاد لا يُفيد العلمَ وقالوا: "إنَّ الحديثَ الآحاد حجَّة في مَسائل العقيدَة"، وهذا الموقفُ المتزمِّت المعارض لإجماع الأمَّةِ نابع من اكتشافهم أنَّ الروايات التي يَتشبَّثُون بِها لبنيان صرح فكر التجسيم والتشبيه الهش الذي يعتقدونه لا تُحقِّق شرط التواتر فهي كُلّها آحادية.
يقول إبراهيم بن أحمد بن شاقلا (ت: 269هـ) مقرِّراً مَذهب أهل الحديث في قبول الحديث الآحاد في العقائد وأنَّه يفيد العلم القطعي عندهم: "ولَمَّا كانت أخبار الآحاد في الصفات لا توجب عملاً: دلَّ ذلك على أَنَّها موجبة للعلم"([34]).