البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

الحديث الآحاد والعقائد:

الجزء ١ · صفحة ١٩

وقال عبد العزيز الراجحي: "قد أجمع الصحابةرضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان، على قبول أخبار الآحاد، سواء كان ذلك في الأصول - أي المسائل الاعتقاديَّة- أم الفروع، ولَم يُخَالف منهم أحد"([35]).

وقد أسرف الراجحي كثيراً عندمَا وصف من قال بظنِّية الحديث الآحاد بأنَّه زنديق مُلحِد، حيث يقول: "وسَمَّى هذا التعيس كتابه بـ "السيف الحادِّ على مَن أخذ بالحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد"، فلزم لذلك "قُدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد القائلين بعدم الأخذِ بالحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد" لِيُعملوا سيوفهم في رقابِهم، ويَجعلوهم عبرة لبقية أذنابهم"([36]).

وذلك؛ لأنَّ أَحمد بن حنبل إمام أهل الحديث يُقرُّ بظنِّية الحديث الآحاد!، فقد نقل عنه ذلك أبو مُحمَّد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي الحنبلي (ت: 488هـ) في مقدِّمَته في عقيدة أحمد بن حنبل وأصول مذهبه التي ضمنها ابن أبي يعلى كتابه "طبقات الحنابلة"، قال أبو مُحمَّد: " فأمَّا خَبَر الآحاد: فيوجب العمل بِمُوجبه، والمصير إلى حكم نُطقِه، دون القطع بعينه، وإنَّما يحسن فيه الظنُّ بالناقل أو الجهل بالرواي. وقد حُكي عن بعض أصحابه أَنَّهُ يقول: إِنَّه يوجب العلم. ومَا وَجدته من لفظه، ولا أظنُّه يذهب إليه"([37]).

والكلام الذي ذكره ابن شاقلا والراجحي مُخالف للحقائق التاريخيَّة، فقد نقلنا إقرار النووي - وهو من أئمَّة الحديث - إجماع الأمَّة على ظنِّية الحديث الآحاد، كما بيَّنا ذَلِكَ في الأمثلة السابقة كيف ردَّ الصحابة الكثير من الرويات التي جاء بِها صحابة آخرون!.

والظاهر أنَّ أكثر متأخِّري أهل الحديث الذين تأثَّروا بالمدارس الكلاميَّة خالفوا توجُّه أئمَّتهم، وأقرُّوا بظنِّية الحديث الآحاد كما قال النووي، ومن أئمَّة الحديث المعتبرين لَدى الراجحي والذين أقَرُّوا بظنِّيَة الخبر الآحاد:

١٩ / ١٦١