الحديث الآحاد والعقائد:
الجزء ١ · صفحة ٢١الأخبار الآحادية التي ينقلها غلاة أهل الحديث
من بين المشاكل التي أفرزها استئثار أهل الحديث وانفرادهم بالبثِّ في عدالة الرواة والفقهاء، استغلالهم هذه الفرصة لتجريح مُخالفيهم في الفكر والعقيدة، وتعديل موافقيهم في الفكر.
يقول الكوثري في مقدِّمة كتاب "نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية" للزيلعي: "وقال ابن الجوزي في "التلبيس": ومِن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث، قدح بعضهم في بعض، طلباً للتشفِّي، ويخرجون ذلك مَخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمَّة، للذبِّ عن الشرع، والله أعلَم بالمقاصد، ودليل خُبثِ هؤلاء سكوتهم عمَّن أَخذُوا عنه"اهـ.
ومِن نَماذج هذا التعصُّب البارد من أهل الحديث تَجريحهم للإباضيَّة ومَن سار في دَرب معارضتهم للسلطة الأمويَّة، ويكفِي الروايات التي حُشِّيَت بِها كتب الحديث والتي تدعو إلى قتلهم واستباحة أموالهم ونسائهم!، فقد حَشَرهم البخاري في زمرة الملاحدة الذين يَجوزُ قتلهم([44]).
وقد نَفَّر أهل الحديث من كُلِّ من شَمُّوا منه رائحة الفكر الإباضي حَتَّى وصَل بِهم الأمر إلى ردِّ روايات التابعيِّ الكبير عِكرمة مَولى عبد الله بن عباس بِسَبب اتِّهامهم إيَّاه بأنَّه يرى رَأي الإباضيَّة، عِلماً بأنَّ عِكرمة كان من أَفضَل التابعين، حيث يقول عنه ابن منده: "أمَّا حال عكرمة في نفسه فَقد عدَّله أمَّة من التابعين منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة تكاد لا تُوجد منهم لكبير أحد من التابعين"([45]).
وينقل لنا الذهبي رأي أهل الحديث فيه قائلاً: "أحد أوعية العلم، تُكلِّم فيه لرأيه لا لِحفظه فاتُّهِم برأي الخوارج. ابن المديني عن يعقوب الحضرمي عن جدِّه قال: وكان يرى رَأي الإباضيَّة. وعن عطاء بن أبي رباح أنَّ عكرمة كان إباضياً"([46]).