إشكاليَّة تعارض العقل والنقل
الجزء ١ · صفحة ٢٧يَرى لُؤي صافي في كتابه المميَّز جدًّا "إعمال العقل" أنَّ إشكاليَّة تعارض العقل والنقل لَم تنبع أصلاً من داخل العقل الإسلامي الذي تشكل بتأثير الخطاب القرآني، ولكنَّها طرأت نتيجة لتأثُّر الفكر الإسلامي بالفلسفة الإغريقيَّة، ذلك أنَّ الخطابَ القرآني يستنكر العقلية الرافضيَّة للوحي استناداً إلى مَرجعيَّة تاريخية غَير عقليَّة ?وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ?([3])؛ لأنَّ هذه العقليَّة منغلقة رافضة للنظر في أطروحات الخطاب المنَزَّل وتعقل مضمونه. كما دعا القرآن إلى تأسيس المعتقدات على قواعد معرفيَّة ثابتة، وعلَى يقين علميٍّ ناجم عن نَظرة ناقدة متفحِّصة، يقول تعالى: ?وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً?([4])، وقال أيضاً: ?وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا?([5]). والقرآن يَدعو الإنسانَ إلى الاستدلال على وجود الله وقدرتِه من خلال النظر في ملكوته ?إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ?([6])، ويدعوه إلى التصديق بِمَرجعيَّة الكتاب الإلَهيَّة من خلال التدبُّرِ في آياتِه ?أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا?([7]).