البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

إشكاليَّة تعارض العقل والنقل

الجزء ١ · صفحة ٢٨

ثُمَّ يُفصِّل لؤي صافي الحديثَ في إشكالية التعارض من خلال استعراض مفهوم العقل، وانقسامه إلى عقل فطريّ "غريزي"، وعقل مُتحصّل "مكتسب"، وأنَّ العقل الفطريَّ يتحدَّد بالقدرة على توليد تصوُّرات كليَّة بسيطة تتحصَّل من خلال تَجريد المدركات الحسيَّة، تَرتبط فيما بينها لتشكل أحكاماً يَنجم عنها تصوُّرات مركبة، وهذه الأحكام والتصورات تشكِّل القاعدة المنطقيَّة والرياضيَّة، مِثل قاعدة كون الكلِّ أَكبر من الجزء. وهذ القسم مِن العقل هو الذي يُمثِّل القاسم المشترك بين الناس كُلِّهم، ويؤدِّي فُقدانه إلى اختلالِ الفهم والعجز عن التفكير السليم.

أَمَّا العقل المكتسب، فَإِنَّهُ متحصل مِن الخبرة الإنسانيَّة، ومتولّد من تطبيق العقل الفطري على موضوع ما، فعمليَّة النمو العقلي في حقيقتها نُمو للعقل المكتسب بتحصيل المعارف والاستفادة من خبرات السابقين، وإعمال مَباديء العقل الفطري على مصدر معرفي معيَّن.

والعقل المكتسب يَنطوي على ثلاثة أنواع من الأحكام:

1- أحكام متعاليَّة عن الوجود الحسِّي ومرتبطة بالوجود المغيّب، كالحكم بأنَّ النفوس تَبعث من جديد بعد مَوتِها لتُثَاب على أعمالها.

2- أحكام قيميَّة توجِّه العقل في دائرة الحياة الاجتماعيَّة، كالحكم بأنَّ الصدق حسن والكذب قبيح.

3- أحكام تَجريبِيَّة مستمدَّة من ملاحظات الإنسان الطبيعيَّة والتاريخيَّة، كالحكم بسقوطِ الأجسام التي تزيد كثافتها عن كثافة الهواء نَحو مركز الأرض.

٢٨ / ١٦١