البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

إشكاليَّة تعارض العقل والنقل

الجزء ١ · صفحة ٢٩

ويضيف لؤي صافي قائلاً: إنَّ التأمل في بنية العقل يظهر لنا أنَّ التعارض بَين أحكام الوحي وأحكام العقل الفطري غير مُمكن، نظراً لِخلوِّ العقل الفطري من الأحكام المضمونية واقتصاره على الأحكام الإجرائيَّة لا يَملك أن يَقضي بصدق أحكام مضمونية منفردة أو كذبها، لَكِنَّه قادر على الطعن في مصداقيَّة منظومة من الأحكام من خلال إظهار تناقضها الداخلي، فلا يَملك العقل الفطري مثلاً أَن يُعارض حكم القرآن بِخَلق الإنسان من طِين، أو حكمه بمسؤوليَّة الإنسان أمامَ الله فيه بعد موته، ولكنَّه يَملك أن ينظر في اتِّساق الحكم الأوَّل مع الثاني، فإذا ظهر الاتِّساق الداخلي لِمنظومة الأحكام القرآنيَّة امتنع على العقل الفطري الاعتراض، أو التشكيك في أيِّ حكم مُنفرد من أحكام القرآن.

فإذا امتنعَ قيام تعارض بين الوحي والعقل الفطري هَل يُمكن قيام تعارض بين الوحي والعقل المكتسب؟ للإجابة عن هذا السؤال يَجدُر بنَا أن نَلحظ بَدءاً البنية الداخلية للخطاب القرآني، إذ يتألَّف القرآن من آيات تَنطوي على أحكام متعلِّقة بثلاثة مستويات من الوجود: الوجود الكلِّي المغَيَّب، والوجود الطبيعي المشاهد، والوجود الإنساني الاجتماعي المعيش. لكن الأحكام القرآنية هذه ليست أحكاماً ناجزة بل أحكام ثانويَّة في النصِّ المنزل تَحتاج إلى إعمال عقل ونظر قبل استخراجها، ولأنَّ الوحي مصدر معرفي يستمدُّ العقل مضمونه منه، فإنَّ قيام تعارض مباشر بين آيات الكتاب والعقل المكتسب من تطبيق العقل الفطري على تلك الآيات مُمتنع أيضاً، إذ لا يُمكن بأيِّ حال أن تَتعارض المفاهيم والتصورات المستمدَّة من مصدر معرفي مع المعطيات المعرفية لذلك المصدر؛ لأنَّ تلك المعطيات تؤلِّف المادة التي يَستخدمها العقل الفطري لتشكيل العقل المكتسب، فَمصدر التعارض بين العقل والوحي لا بُدَّ أن يعود إلى أحكام ناجِمة من مصادر أخرى.

فما المصادر الأخرى المولِّدة للمعارف العقلية؟

٢٩ / ١٦١