إشكاليَّة تعارض العقل والنقل
الجزء ١ · صفحة ٣٠المصدر الآخر للمعرفة الذي تتولَّد منه تصوُّرات العقل وأحكامه هو الوجود الطبيعي والاجتماعي للإنسان.
ولقد ارتبط مفهوم العقل بالمعرفة الطبيعيَّة ارتباطاً حَميماً حتَّى أطلق المسلمون المتقدِّمُون صفة عقلي على كُلِّ ما ارتبط بالنظر في المحيط الطبيعي والاجتماعي للإنسان، لذلك أدرجوا الطبَّ والهندسة والحساب والفلك والسياسات المدنية في دائرة العلوم العقلية.
فانقسام العلوم بين عَقلي ونقلي يَكشف لنا بُعداً جديداً في طبيعة إشكاليَّة التعارض يتعلَّق بالمعارف المكتسبة من خلال النظرِ في معطيات الواقع المحسوس، والتأمُّل في بنية الواقع المشهود. ومن هنا يَظهر لنا أنَّ مشكلة تعارض العقل والنقل لا تَنبع من رَفض عقلي مباشر لنصوص منقولة، بل تتعلَّق بتناقض دلالات النصِّ المنقول وتَجلِّيَات الواقع المشهود.
لكنَّنا إذا أمعنَّا النظر في طبيعة الأحكام المضمونِيَّة المستمدَّة من الوحي والواقع، وجدنا التعارض بين العقل المكتسب، والوحي القرآني مُمتنع في دائرة الأحكام المتعاليَّة والقيميَّة؛ لأنَّ النظر في الواقع المشهود لا يُمكن أن يُولِّد أحكاماً متعالية أو قيمية دون هداية الوحي ذاته، الذي يُمثِّل المصدر الرئيسي لِمثل هذ الأحكام.
فإمكان التعارض قائم في دائرة الأحكام التجريبيَّة وحدها. بَيْد أَنَّهُ من الطريفِ ملاحظة أنَّ هذه الدائرة لَم تَكن يوماً من الأيَّام عَبر تاريخ الفكر الإسلامي كُلّه مداراً للتعارض. في حين أنَّ الخلافات التصوريَّة بين فِرَق المسلمين ومذاهبهم تركَّزت في دائرة الأحكام المتعاليَّة.