البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

إشكاليَّة تعارض العقل والنقل

الجزء ١ · صفحة ٣١

لذلك فإنَّنا نَرَى أنَّ إشكاليَّة التعارض في جوهرها ليست تعارضا بين أحكام، لامتناع التعارض بَين الأحكام المستمدَّة من الوحي المقطوع في ثبوته، وتلك المستخرجة من النظر في آيات الآفاق والأنفس. بل التعارض في حقيقته تعارض بين منهجيات في البحث والنظر، ومنظومات الأحكام المضمونية الناتجة عنها، لذلك وجدنا أن الخلاف بين ابن تيمية والرازي ليس خلافاً في تعارض أحكام نقلية وعقلية بعينها، بل خلاف في آليات الاستدلال وأولويات المصادر، فابن تيمية يرفض تقديم قطعيات العقول على ظنيات الأخبار بالقول: "مقدمات الأدلة العقلية المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والاشتباه والاختلاف والاضطراب ما يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلى مقدّمات الأدلَّة السمعيَّة"([8]).

فالقضيَّة في جوهرها إذن قَضِيَّة رَفض أهلِ الحديث لتحكيم العقل في النصِّ، سَواء ما تعلَّقَ منه بتأويل آيات الكتاب عند امتناع حَمل معانيها على ظاهرها، أو بِردِّ أخبار الآحاد ظنِّيَة الثبوت عندَ تَعارضها مع اليقينيَّات العقليَّة.

بَيْدَ أنَّ مَوقف أهل الحديث الرافضِ لإِقحام العقل في فَهمِ النصِّ، وَالُمصرِّ على الحرفيَّةِ في الفهم والاتِّباع حَتَّى عِندَ تعارض دلالة النصِّ الظاهريَّة مع ما اعتقده العقل يقيناً، مَوقف مضطرب يؤدِّي إلى اعتبار الجزئي ورفض الكلِّي، واعتماد الظنِّي وردِّ اليقيني، ذلك أنَّ فهم النصوص وتَحديد دلالاتها يتوقَّف على أمرين.

الأوَّل: تَحديد معاني الألفاظ من خلال مقارنتها بالاستخدامات المختلفة للألفاظ ضِمن الخطاب الكلِّي، وبالتالي فإنَّ تَحديد معنى الألفاظ المتضمِّنَة في النصِّ يَحتاج إلى عمليَّةِ استقراءٍ ينتقل فيها العقل من الجزئي إلى الكلي، من خلال مقايسة الجزئيات بعضها ببعض.

٣١ / ١٦١