إشكاليَّة تعارض العقل والنقل
الجزء ١ · صفحة ٣٢أما الأمر الثاني المهم الذي يتَوقَّف عليه فهم النصوص فيتعَلَّق باختيار المدلول، وتَحديد أوجه دلالة النصّ عليه. وهذا يعني أن فهم أي جزئي لا يتم إلا من خلال ربطه بِمجموعة من الكليَّات التي تشكِّل في جوهرها الأحكام المضمونيَّة لعقل المفسّر لِمفهوم النص.
وبناءً على ما تقدَّم نَخلص إلى أن الوصول إلى اليقين المعرفي لا يمكن أن يتمَّ إِلاَّ من خلال تطوير منظومة من الأحكام الكليَّة اليقينة المتحصّلة، من خلال نظر واستدلال عقليين في مصدري المعرفة الرئيسيين: الوحي والواقع.
بِمعنى: أنَّ الأحكام الكليَّة هذه تتولد نتيجة لتواطؤ الأحكام الجزئية المستقرأة من مفردات الوحي وتمظهرات الواقع.
ومن هذا المنطلق يظهر تَهافت دعوة أهل الحديث إلى تأسيس المواقف على أساس نصوص مجتزأة أو حوادث متفرقة، ذلك أن تظافر النصوص وتواطؤ الحوادث شرط أساسي للوصول إلى قناعات راسخة وأحكام يقينية، ومن تأسيس تصور كلي لجال من مجالات الوجود.
وهكذا يظهر لنا أنَّ تعارض العقل والنقل في فحواه تعارض بين نصوص جزئية ومجموعة من المباديء الكلية، وبالتالي النظر العلمي يقتضي إلحاق الجزئي بقاعدة كلية، فإن تعذر نظرنا في إمكان تعديل القاعدة الكلية لدفع التعارض الكلي والجزئي، فإن تعذر فلا مفر من التوقف في اعتبار الجزئي واستمرار العمل بالكلي، أي التوقف في النص، واعتماد منظومة القواعد الكلية التي تشكل البنية الداخلية لعقل الناظر في النص([9]).
وقد عمد الفخر الرزاي في كتابه "أساس التقديس" إلى تأسيس قواعد عقلية يقينية مستنبطة من نصوص الوحي، يحاكم من خلالها حشوية ابن خزيمة الذي حاول في كتابه "التوحيد" منع تأويل النصوص وحملها على المجاز لينتصر لعقيدة التشبيه التي يتبناها أهل الحديث، ولم يعرض الرازي قواعده بصورة منهجية لكنَّنا نستطيع تقسيمها إلى أربع قواعد تنزيهية:
1- القاعدة الأولى: يمتنع تشابه الباري أو تَماثله مع أيّ من خلقه: