البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

عقيدة أهل الحديث رؤية تاريخية

الجزء ١ · صفحة ٤٨

وحين تبيَّن خطر هؤلاء الكتابيين لبعض الصحابة توقَّفوا عن الأخذ منهم، وبدأوا يحذِّرون الناس من شرِّهم، فعبد الله بن عباس الذي عرف عنه مجالسة أولئك الكتابيين ثارَ عليهم بعد ذلك، وقال معاتباً غيره: "يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب؟ وكتابكم الذي أنزل على نبيّه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد حدَّثكم الله أن أهل الكتاب بدَّلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: (;هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً);([49])، أفلاَ ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسائلتهم؟ ولا والله ما رأينا رجلاً منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم"([50]).

لكنَّ المشكلة حدَّثت في تَبنِّي بعض الفرق الإسلاميَّة لفكر منحرف تشكَّل من امتزاج الموروث الديني القديم لأهل الملل السابقة، وصار يُقدَّم على أَنَّهُ الممثل الرسمي للإسلام، وما عدَاه من أفكار نابعة من صميم العقيدة الإسلامية يعتبر كفراً وزندقة!.

والعجيب أن تَجد هؤلاء الذين اعتنقوا مثل هذه العقائد يستدلُّون لإثبات صحَّة عقيدتهم بكتب وآثار أصحاب الملل المنحرفة، فها هو ابن تيمية يقول مستدلاً بالإنجيل المحرَّف: "وفي الإنجيل أنَّ المسيح u قال: لا تَحلفوا بالسماء فَإنَّها كرسي الله. وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم([51]) الذي في السماء يَغفر لكم كُلّكم، انظروا إلى طير السماء فَإنَّهُنَّ لا يزرعن ولا يَحصدن ولا يجمعن في الأهواء، وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهنَّ، أفلستم أفضل منهنَّ؟ ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب([52]).

ويَستدلُّ أيضاً بقولِ الشاعر الجاهلي أميَّة بن أبي الصلت:

[/COLOR]

--------------------------------------------------------------------------------

[1]) راجع مناقشة هذه الفكرة في كتابي أهل الحديث والحقيقة المفقودة.

[2]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 5/ 406.

٤٨ / ١٦١