مواردُ العلوم الإنسانيَّة في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ٥والناس تتفاوت في مداركها العقليَّة، كما تتفاوت في تركيبها الجسمي والنفسي، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ);([6]).
يقول أبو حامد الغزالي: «ومن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة فكأنَّهُ مُنخَلِع عَن رِبقَة العقل»([7]).
والعقلُ الذي نَعنيه في حَديثنا هو تلك القوَّة الإدراكيَّة المعيارية في الإنسان، والتي على أساسها حُمِّل أمانة الخلافَة، والتي على أساسها خوطب بالوحي ليتحمَّلَه فَهماً وتَطبيقاً. أمَّا البحث في ماهية العقل وكنهه فلا طائل وراءه، ولَم تثمر فيه المباحث من الفلسفة اليونانية وغيرها إلى اليوم([8]).
والعقلُ ليس وسيلة للكشف المباشر عن الْحَقِّ، بَل يسلك إلى الْحَقِّ طريقاً صارماً عبر ما يُسَمَّى بالنظر أو الفكر، وهذا الطريق يتَّصِف بالمرحليَّة والتدريج والترابط، فَهو طريق المقايسَةِ والموازنَة، والانتقال بين المقدِّمَات للوصول إلى النتائجِ، وبين المعاليم للوصول إلى المجاهيل([9]).
وقد قالَ التابعي الكبير جابر بن زيد: «العلم علمان: علمٌ في القلب فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان فَذلكَ حُجَّة الله على ابن آدم»، والعلمُ أيضاً علمان، علم عقلي، وعلم سمعي. فالعلم العقلي: ما خَطَر بالقلب من التوحيد وغيره، ومعرفة الوعد والوعيد، وكذلك ما حَسُنَ في عقله وقَبُح مِمَّا لَم يأته خبره ولَم يسمع بذكره. والعلم السمعي: هو ما جاءَ به مُحَمَّد e من الشريعة والسنَّة وبينه من أحكام القرآن مِمَّا طرقَ سَمعه وجاءته صحَّته وقامت حجَّته بظواهر الآية([10]).