البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مواردُ العلوم الإنسانيَّة في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ٦

لكن يَجب علينا كذلك أن نُدرك أنَّ العقلَ الإنساني مَحكوم بظروف المادَّة فهي مَجال حركَته ومنطلق إبداعه، وإذا كان بِما جعل به مناطاً للتكليف قادراً في الإدراك على تَجاوزِ المادة إلى ما ورَاءها مِنَ الحقائق المجرَّدَة، وقادراً على إصابَة الحقيقَة في تَقدير السلوكِ الإنسانِي، فَإِنَّهُ في كُلّ ذلك مَحدود بِمَا قيد به من ظروف مادية يتحرَّك في مَجالها ويتَّخِذُ منها مُعطيات الإبداع.

وقد اكتشفَ الناسُ اليومَ خطأ ما ساد من وهم في بداية ازدهار الحضارة الغربية بأنَّ العقلَ الإنساني يتَّصِف بالقدرة على إصابَةِ الْحَقِّ المطلق، فبدَأ منذُ حين يُوضع في حَجمِه الحقيقِي الذي يكون به قادراً على إدراكِ الْحَقِّ، وتقدير الخير، ولكنَّهُ الْحَقُّ النسبي وَالخير النسبي أيضاً([11]).

فالعقل وإن كان هو الإساس في الوصول إلى معرفة الله، وذلك لأن المقدمات المطلوبة لحصول هذه المعرفة موجودة مبثوثة في الكون، إلا أن العقل ليس هو الأساس في الحكم على الاشياء بالحسن والقبح "التحسين والتقبيح"، وذلك لأن العقل يفتقد القدرة على الإحاطة بالمقدمات اللازمة للحصول على المعرفة الكلية للأمور، فلهذا لزم وجود الأصل النقلي "الوحي" لأنه بسبب ربانية مصدره محيط بكل المقدمات الضرورية لحصول المعرفة الكلية.

والعلوم العقلية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الواجب: وهو ما لا بدَّ منه، كمعرفة الفاعل عند وجود الفعل، يقول تعالى ?أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ?([12])، فالإنسان العاقل يلزمه معرفة وجود خالق لِهَذا الكون العظيم، فلكلِّ فعل فاعل، ولكلِّ مَخلوق خالق.

المستحيل: اجتماع الضدَّين، كاجتماع العلم بالشيء والجهل به في آن واحد. ومثل وجود شيء واحد في مكانين منفصلين.

الجائز: ما يَجوز في العقل وجوده وعدمه، وهو ما ليس بواجب وليس بِمستحيل، فيجوز وجود الشيء في مكان ما، ويَجوز أن لا يكون مَوجوداً هناك.

٦ / ١٦١