البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

نماذج من عقائد أهل الحديث

الجزء ١ · صفحة ٥٤

يلخص لنا ابن تيمية مَنهج أهل الحديث في التعامل مع الآيات المتشابهة، والتي يوحي ظاهرها بالتجسيم بقوله: "فمذهب السلف - رضوان الله عليهم - : إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها"([3])، ويعبِّر صالح الفوزان عن هذه القاعدة بقوله: "الإيمان بصفاته التي وصفَ نفسه بِها في كتابه، أو وصفه بِها رسوله في سنته، وذلك بأن نثبتها له كما جاءت في الكتاب والسنَّة بألفاظها ومعانيها من غير تَحريف لألفاظهَا، ولا تَعطيل لمعانيها"([4]).

والإشكال في هذا المنهج يتمثَّل في فشله في التعامل مع النصوص المتشابهة، ?هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ?([5])، فإنَّ إجراء هذه النصوص المتشابهة على ظواهرها، يؤدِّي إلى إشكالات نصِّية كبيرة أدَّت بأهل الحديث إلى انتحال عقيدة التجسيم.

وقد وصل الغلوّ والتطرُّف بأهل الحديث في عقيدة التشبيه والتجسيم إلى درجة وصفهم من يَسكت عن الآيات المتشابهات، ويفوض معانيها لله تعالى بالزندقة!، فحين قال ابن قدامة الحنبلي: "وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرُُّض لِمعناه، ونردّ علمه إلى قائله"([6])، ردّ عليه مُحَمَّد بن إبراهيم آل الشيخ مشنِّعاً عليه هذه العبارة قائلاً: "أمَّا ما ذكرَه في اللمعة فَإنَّهُ ينطبق على مَذهب المفوضة، وهو من شرِّ المذاهب وأخبثها"([7]).

وهذا التعامل الخشِن مع النصوص جَعلهم يتوهَّمون أن لله تعالى:

1-صورة تشبه صورة الإنسان، وطوله ستون ذراعاً: حيث رووا أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله عز وجل آدمَ على صورتِه وطوله ستون ذراعاً»([8]).

وقد ردَّ عقلاء المسلمين هذه الرواية، فحين قيل لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة أنَّ مقاتل بن سليمان يقول: "إنَّ الله خلق آدم على صُورته. قال أبو عبيدة: كذب مقاتل"([9]).

٥٤ / ١٦١