التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة التوبة

الجزء ٢ · صفحة ١٠٦

يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تتَّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبُّوا الكفر عَلَى الإيمان ومن يتولهَّم منكم فأولئك هُمُ الظالِمُونَ (23)} بوضعهم الموالاة فيِ غير موضعها.

﴿قل: إن كَانَ آباؤُكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفتموها، وتجارةٌ تَخشَون كسادَها، ومساكنُ تَرضونها أحبَّ إليكم مِنَ اللهِ ورسوله وجهادٍ فيِ سبيله﴾ أَي: الحبُّ الاختياري دون الطبيعيِّ، فإنَّه لاَ يدخل تحت التكليف؛ ﴿فتربَّصوا﴾ فانتظروا ﴿حَتَّى يأتي الله بأمره﴾ وَهُوَ الموت، أو عذابٌ عاجلٌ أو آجل، أو فتح مكَّة، ﴿والله لاَ يهدي القوم الفاسقِينَ (24)﴾ والآية تنعى عَلَى الناس مَا هم عليه من رخاوة عُقَد الدين، واضطراب حبل اليقين، إذ لاَ تجد أورع الناس يُؤثِر دينه عَلَى الآباء والأبناء والأهواء وحظوظِ الدُّنْيَا.

﴿لَقَد نصركم الله فيِ مواطنَ كثيرة﴾ مَعَ قِلَّتكم وضعفكم وكثرة عدوِّكم وقوَّتِهم، يُذكِّرهم الله بين تلك الوقائع وبين وقعةِ حُنَين ﴿ويوم حنين﴾ أَي: واذكر يومَ حُنَين: وَهُوَ وَالدَّلِيل ـ قيل ـ بين مكَّة والطائف، كَانَت فِيهِ الوقعة بين المُسْلِمِينَ ــ وَهُم اثنا عشر ألفا ــ وحَرْبُهم (1) أربعة آلاف فيما قيل؛ ﴿إذ أعجبتكم كَثرَتُكم﴾ فأدرك المُسْلِمِينَ كلمةُ الإعجاب بأكثره (2)، وزال عَنْهُم أنَّ الله هُوَ الناصر لاَ لكثرة الجنود، فانهزموا؛ والعجب من هَذَا الإعجاب كيف عَمَّهم جميعًا، وزيَّن لَهُمُ الشيطان (لَعَلَّهُ) ذَلِكَ. ﴿فلم تُغن عنكم شَيْئًا، وضاقَت عَلَيْكُم الأَرْض بِمَا رَحُبَت﴾ المعنى: لم تجدوا موضعا لفراركم عَن أعدائكم ﴿ثُمَّ ولَّيتُم مدبرِينَ (25)﴾.

{

(1) - … «وقومٌ حَرْبٌ كذلك، وذهب بعضهم إِلىَ أَنَّهُ جمع “حارب” أو “محارب” عَلَى حذف الزائد». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 595، مادَّة «حرب».

(2) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالكثرة».

٥٠٣ / ١٬٥٨٨