سورة يوسف
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٨واستَبَقَا البابَ} تسابقا إِلَيْهِ، هِيَ للطلب، وَهُوَ للهرب، ﴿وقدَّت قميصَه مِن دُبُر﴾ مِن خلفِه، فانقدَّ، أي: انشقَّ حِينَ هرب منها إِلىَ الباب، وتبعته لتمنعه؛ ﴿وألفيا سيِّدها لَدَى الباب﴾ صادَفاه مُقبِلاً، فَلَمَّا رَأَته احتالت لِتبرِئَة ساحتها عند خُروجِها (1) مِنَ الريبة ولتخويف (2) يوسف طمعا فيِ أن يُواطِئها خِفيَةً مِنها ومن مَكرِها، حيث ﴿قالت: مَا جزاءُ مَن أَرَادَ بأهلِك سُوءا، إِلاَّ أن يُسجَن أو عذاب أليم (25)﴾، أي: ليس جزاءَه إِلاَّ السجنُ أو عذابٌ أليمٌ: وَهُوَ الضرب بالسياط؛ ولم تُصرِّح بذكر يوسف، وأنَّهُ أَرَادَ بها سوءًا، لأنَّها قصدت العموم، أي: كلُّ من أَرَادَ بأهلك سوءًا لحقه كذلك، لأنَّ ذَلِكَ أبلغ فيما قصدت من تخويف يوسف، وَلَمَّا عَرَّضَت للسجن والعذاب دفع عَن نفسه.
﴿قَالَ: هِيَ راودَتنِي عَن نفسي؛ وشَهِدَ شاهد مِن أهلِها﴾، إِنَّمَا ألقى الله الشهادة عَلَى لسانٍ مِن أهلها، لِتَكون أوجَبَ للحجَّة، وأوثق لِبراءَة يُوسف؛ قيل: كَانَ صبيًّا فيِ المهد؛ وسمَّى قوله شهادة، لأَنَّهُ أدَّى مُؤدَّى الشهادة فيِ أن ثبت بِهِ قولَ يُوسفَ، وبطل قولها، ﴿إن كَانَ قميصُه قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَت وَهُوَ مِنَ الكاذبِينَ (26)؛ وإن كَانَ قميصه قُدَّ مِن دُبُرٍ فكَذَبت وَهُوَ مِنَ الصادقِينَ (27)﴾ كأنَّ الشهادة قِيَاس نظريٌّ.
{
(1) - … كذا في الأصل، والصواب: «عند زوجها من الريبة». انظر: الزمخشري جار الله محمود ابن عمر: الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، رتَّبه وضبطه وصحَّحه: مصطفى حسين أحمد، الطبعة الثانية، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1373هـ / 1953م، 2/ 357.
(2) - … في الأصل: «والتخويف»، وهو خطأ.