التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة يوسف

الجزء ٢ · صفحة ٢٤٠

فَلَمَّا سمعت بِمكرهنَّ} باغتِيابهنَّ، وقَولهنَّ: «امرأة العزيز عَشقَت عَبدَها الكنعانيَّ». ويسمَّى الاغتياب: مكراً لا (1) فيِ خفية وحال غيبة، كما يُخفي الماكر مَكره، ﴿أرسَلَت إِلَيْهِنَّ﴾ دعَتهنَّ، ﴿وأعتدَت﴾ هيَّأت ﴿لَهُنَّ مُتَّكأً﴾ مَا يَتَّكِئن عليه من نَمارِق، ﴿وآتت كلَّ وَاحِدَة مِنهُنَّ سِكِّيناً﴾؛ قيل: كَانُوا لاَ يأكلون فيِ ذَلِكَ الزمان إِلاَّ بالسكاكين؛ ﴿وقالت: اخرُج علَيهِنَّ، فَلَمَّا رأينه أكبرنه﴾ عظَّمنه ﴿وقطَّعن أيدِيَهنَّ﴾ جَرحنَها ﴿وقُلنَ: حاشَ لله مَا هَذَا بشرًا إن هَذَا إِلاَّ مَلكٌ كَريم (31)﴾ نَفَيْن عَنْهُ البشَرِيَّة، لِغرابَة جَمالِه، وأثبَتنَ لَهُ المَلَكِيَة، وثبَّتن بها الحكم، لِمَا رَكَزَ فيِ الطباع أنْ لاَ أحسنَ مِنَ المَلَكِ، كما رَكَزَ فِيهَا أنْ لاَ أقبح مِنَ الشيطان.

[263] ﴿قالت: فذلكُنَّ الذِي لُمتُنَّنِي فِيهِ﴾ (لعلَّه) بالافتِتَان بِهِ قبل أن تَنظُرن إلى صورَته، ﴿وَلَقَد راودتُه عَن نَفسِه﴾ (لعلَّه) إِقْرَارا بما فعلَت، ﴿فاستَعصَم﴾ بالعُروَة الوُثقَى عَن النزول فيِ المهاوي؛ ﴿ولئن لم يفعل مَا آمُرُه ليُسجَننَّ، ولَيَكونًا مِنَ الصاغرِينَ (32)﴾.

﴿قَالَ: رَبِّ السجنُ أحَبُّ إليَّ مِمَّا يَدعونَني إِلَيْهِ﴾، قيل: افتُتِنَت كلُّ واحدةٍ بِهِ، فدعته إِلىَ نَفسِها سِرًّا، فالتجأَ إِلىَ ربِّه، وقال: «رَبِّ نُزولُ السجنِ والضيقِ أحبُّ إليَّ مِنَ السعَةِ ورُكوبِ المعصِيَة»، ﴿وَإِلاَّ تَصِرفْ عَنِّي كَيدَهُنَّ﴾ فزعٌ منه إلى الله في طلب العصمة، ﴿أَصبُ إِلَيْهِن﴾ أَمِل إِلَيْهِنَّ، والصبوَةُ: الميلُ إِلىَ الهوى؛ ﴿وأكُن مِنَ الجاهلِينَ (33)﴾ مِنَ الذِينَ لاَ يَعمَلُونَ بِمَا يَعلَمُونَ، لأنَّ مَن لاَ جَدوَى لِعِلمِه، فهو ومن لاَ يعلم سواء، وَهُوَ مِنَ السفَهاء.

{

(1) - … كذا في الأصل، والصواب: «لأنَّه». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 361.

٦٣٧ / ١٬٥٨٨