نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأعراف.

الجزء ٧ · صفحة ٢١

لا أحقر للإنسان من النّزول بعد الطّلوع، ومن حاول شيئا بمعصية الله كان أبعد مما رجا وأبعد مما اتقى. لقد علا إبليس واستكبر، فعاقبه الله على عصيانه بإخراجه من المكان العليّ الذي كان فيه مع الملائكة الأبرار، والضّمير في: ﴿مِنْهَا﴾: راجع إلى الجنة أو إلى السّماء -على اختلاف بين العلماء في المقصود بالجنة- فتلك المنزلة -أيّا كان مكانها- لا تكون للعصاة المتمرّدين، لأن حظيرة الملإ الأعلى مطهرة من كل دنس وخلق التكبّر والحسد فيه من الخسّة والدّناءة ما لا يليق بتلك المقامات السّامية في العالم العلويّ. ولذا أكدّ الأمر بالهبوط بالأمر بالخروج ليجازيه الله بعكس مقصوده من التّعالي والكبرياء ذلا وصغارا في أغوار الأرض ومتاهاتها. صغار عند الله وعند أوليائه. ومن مكائد هذا اللّعين المطرود من رحمة الله أن ينتقم ممن كان السّبب في طرده فسأل من الله أن يمهله إلى يوم الدّين.

﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾: طلب إبليس من ربّه الإنظار إلى يوم يبعثون، لأنه يعلم أن هبوطه من العالم العلويّ إلى الأرض سوف يعقبه الفناء كباقي الأحياء على ظهرها فأجابه الله إلى ما سأل –والله تعالى قدّر ذلك في علمه الأزلّي- وفق مشيئته وحكمته، وتجري الوقائع على ذلك القدر الإلاهي؛ إذ أجاب الله إبليس إلى ما سأل فقال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾: وتأكيد الخبر بإن يدلّ على أن ذلك مقضيّ ومقدّر في علم الله من قبل. وجاء في ءايات أخرى: أن إبليس طلب من الله الإنظار إلى: ﴿يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: وثبت في التّفسير المنقول عن الصّحابة سيما ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (37 - 38). قال: الوقت المعلوم هو النّفخة الأولى في الصّور، والتي يموت فيها جميع أهل الأرض دفعة واحدة.

١٬٩٦٥ / ٦٬٧٦٧