نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأعراف.

الجزء ٧ · صفحة ١٤١

﴿وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّا أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾: ومع ذلك الجزم القاطع في الثّبات على هدي الله، وجمع الإرادة عليه. أمام أولئك الطّغاة المستكبرين، فإن شعيبا لم يكتف في بيان موقفه بالإرادة الإنسانية التي قد تخور وتتوهّن؛ بل تأدّب مع الله -وهو قدوة المؤمنين به-. إذ استثنى من تلك الأحوال البشرية حال مشيئة الله، فهو لا يتألىّ على الله ولا يجزم بشيء أمام قدره لأن الثّبات على الإيمان والوفاة عليه، مما يجب على المؤمن أن يطلبه من الله، وهو وحده تعالى مالك للقلوب ومقلّبها كيف يشاء. وقد علّمنا الله تعالى أن نطلب منه ذلك في دعائنا: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً اِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران:8). وكان الرّسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهذا الدّعاء: (اللّهم يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك (.(1) ولا تكون أحوال البشر وتدبير شؤونهم إلا وفق ما ثبت في علم الله الأزلي الواسع الشّامل. إنه الأدب النّبويّ العالي مع الله، في إرجاع الأمر كلّه إليه، لأن ذلك دليل الملك المطلق له تبارك وتعالى، ودليل من البشر على الدّينونة والخضوع.

﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾:

وأمام تحديد لجبروت القوم يجد السّند القويّ والملاذ الحصين في التّوكّل على الله القويّ العزيز، وحده نابذا غيره بتقديم الجار والمجرور: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾. على فعل: ﴿تَوَكَّلْنَا﴾. ويفوّض إليه أمر كفايتهم من تثير الأعداء، بالنّصر عليهم وبالثبات على الإيمان، لأن ذلك نصرة للحق الذي دعا إليه شعيب، وقد يئس من إيمان المستكبرين من قومه، كما يئسوا هم من إمكان مساومته في العود إلى ملتهم.

(1) - الحديث:

٢٬٠٨٥ / ٦٬٧٦٧