نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأعراف.

الجزء ٧ · صفحة ١٤٦

لقد تقدم معنى هذه الآية في سورة الأنعام. غير أن الأسلوب يختلف بين الآيتين. إذ عدّى الإرسال هنا بنفي دون "إلى" كما في الآية الأخرى، والمقصود حقيقة القرية بالظّرفية المكانية، وزيدت "من" للتنصيص على العموم المستفاد من وقوع النّكرة في سياق النّفي. ثم الاستثناء "بإلا" لإفادة الحصر. وأن هذه هي سنة الله في خلقه، فمع إرسال الرّسل وتأييدهم بالخوارق الدّالة على صدق دعواتهم، فإن الله تعالى يربّي خلقه بالشّدائد والمصاعب إعداد لهم للانقياد والطّاعة والخضوع لعلهم يبتهلون إلى الله ليكشف ما نزل بهم. وبمقتضى حكمة الله في الاستدراج يبدّل حالتهم من الشّدّة إلى الرّخاء ومن العسر إلى اليسر لعلهم يشكرون، إذ يعمّ الهناء ويستتبّ الأمن فتزكو الأموال ويكثر الأولاد ولكنهم لا يرعوون، بل يزدادون ضلالا وكفرا، فلا الضّراء أردعتهم ولا السّراء دفعتهم إلى الاعتبار. وهم مع ذلك يتعنّتون ويتعلّلون بما حدث لأسلافهم في قديم الأزمان، وأن ليس في تقلبّ الأحوال عليهم دليل على غضب الله ونقمته، غافلين عن سنة الله في إقامة الحجة قبل التّنكيل والتّعذيب بإرسال الرّسل. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء:15). ولكن هؤلاء لا يفقهون ذلك لفساد فطرتهم وعمي بصيرتهم، بخلاف حال المؤمنين، فإنهم إما شاكرون على السّراء أو صابرون على الضّراء كما وصفهم رسول الله بقوله: (عجبا لأمر المؤمن، لا يقضي الله قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرا له (.(1)

﴿فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾: عقّب على زهوهم بكثرتهم واطمئنانهم لحظوظهم الدّنيوية بأخذهم بغتة، أي إهلاكهم فجأة بدون سابق إنذار ولا توقّع إذ هم لا يشعرون، وذلك أنكى في الحسرة والإيلام.

(1) - الحديث:

٢٬٠٩٠ / ٦٬٧٦٧