سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ١٥والتّعبير بفعل "رضيتم" مصدّرا بالاستفهام الإنكاريّ يدلّ على مدى ما تردّد في نفوس القاعدين عن الجهاد من الميل إلى الكسل والرّاحة عن قناعة وانشراح نفس لذلك، فكان التّعبير باستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير واستهجان ذلك ببيان ضالّة الدّنيا وقلة متاعها بالنّسبة لنعيم الآخرة وثوابها.
وللتركيز على فداحة ذلك الموقف المتردّد في الجهاد أعقب الله ذلك اللّوم الشّديد بالتّهديد والوعيد فقال: (اِلاّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً اَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
قد مضت سنة الله في الحياة أن تقوم على مدافعة النّاس بعضهم ببعض، وأن يتصارع الحق والباطل، وكلّ قعود أو تخلّف في سبيل الله ينجرّ عنه هلاك الجماعات، وإن كانت تنافح عن الحقّ، وتنتمي إلى الإيمان، ويبدو من جواب الشّرط أن العذاب الأليم يكون في الدّنيا بغلبة العدوّ على أصحاب الحق، إذ يقعون في الذّلة والهوان، أو جور السّلطان، ويؤيّده قوله تعالى: (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) لنصرة دينه وإعلاء كلمته، ممن تتوفّر فيهم أسباب القوة والمنعة بمراعاة السّنن الاجتماعية في التزام النّظام، والانقياد والطّاعة للإمام. والله تعالى إذ قدّر تلك السّنن الاجتماعية في حياة الأمم، لا يضرّه تثاقلكم عن الجهاد ولا عدم انصياعكم لأداء الواجب، لأنه على كلّ شيء قدير، وهو القاهر فوق عباده.
وبما أن رسول الله في موقف القائد الإمام وفي مكان القدوة لتوفير أسباب النّصر والغلبة، ذكّر الله المؤمنين بما كان له من تأييد الله ونصرته له حين كان ثاني اثنين في الغار، فكيف لا ينصره اليوم وهو في جيش عظيم؟، قال تعالى: (اِلاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللهَ مَعَنَا).