سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ٣٢قل -أيها الرّسول- للمنافقين: إنكم مهما بذلتم من الأموال في سبيل الله جهادا أو برّا وإحسانا في أوجه الخير مختارين أو مكرهين، فإن الله تعالى لن يتقبل ذلك منكم، لأنكم دائبون على كفركم بالله ورسوله، خارجون عن الإيمان الصّحيح الذي هو مناط قبول الأعمال عند الله. وقد علّل الله نفي قبول أعمالهم بالفسق، وهو الخروج من حظيرة الإيمان، علّل بصفة مجملة، ثم فصّل ذلك بقوله: (وَمَا مَنَعَهُمُ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمُ إلآَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَاتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ).
جاء البيان لصفة الفسوق المعلّل بها في الآية السّابقة، جاء جامعا للركائز التي يتحقق بها الكفر والنّفاق. ذلك لأن الأخوّة الدّينية الصّحيحة، والتي تضمن للمسلم حقّه عند الله وعند النّاس لا تتحقّق إلا بالثّالوث الذي رسمه الله في هذه السّورة لمعاملة خصوم الإسلام فقال جلّ من قائل: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (التوبة:11). وهنا ينبّه الله تعالى بأن هؤلاء، وإن تظاهروا بالقيام بتلك الأعمال فهم لا يؤدونها إلا تقية ونفاقا، وهم في واقعهم كافرون بالله مكذّبون برسالة رسول الله، وبالتّالي فإن صلاتهم خالية من التّوجّه الخالص لله، ولذا فإنهم متثاقلون ساهون عنها، لا يؤدّونها إلا ريّاء ومخادعة كما وصفهم الله بذلك في سورة النّساء: (اِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً) (142).