نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٣٦

والأيْمان الكاذبة من طرف المنافقين هي للتستّر والتّمويه كما قال تعالى عنهم في سورة المنافقون: (اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ) (2). يحلفون للمؤمنين كذبا وزورا أنهم من جملتهم في الإيمان والملة، ولكن حقيقتهم ليست كذلك، بل هم كافرون، ثم بيّن الله سبب تظاهرهم بذلك بأنه الخوف الشّديد من المؤمنين حتى لا يفتضح أمرهم. وجاء الحلف بصيغة المضارع للدلالة على التّجدّد وأن ذلك هو دأبهم. واختير للخوف لفظ "الفرَق" للدلالة على تمكن الخوف من قلوبهم بحيث فرّقها ومزّقها، ويتضمّن هذا الوصف ثناء على المؤمنين في العزة والقوة. ولبيان مظاهر خوفهم أضاف المولى تعالى قائلا: (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً اَوْ مَغَارَاتٍ اَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوِاْ اِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ).

وهو تصوير بديع للحالة النّفسية التي يكون عليها الخائف، وهو يلتمس الفرار بعيدا عن العيون طلبا لمختلف الملاذات والملاجئ، يهرع إليها كالدّابة الجموحة جريا بغير نظام. وما ذلك إلا لكفرهم ونفاقهم وخشيتهم من الخروج معكم إلى الجهاد قال تعالى في شأن ذلك الخوف. (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَّقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسِبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) (المنافقون:4). ومثل هؤلاء هم منطوون على البغض والكراهية لله والرّسول وللمؤمنين، فهم يتحيّنون الفرص للطّعن واللّمز. ففي مجال توزيع الصّدقات يجدون ذلك المطعن فلا يترددون في اللّمز والعيب: (وَمِنْهُم مَّنْ يَّلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنُ اُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ).

٢٬٢٦٢ / ٦٬٧٦٧