نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٥٩

الوعد أعمّ من الوعيد إذ يكون في النّفع والضّرّ، والإتيان به في صيغة الماضي للدّلالة على ثبوت حكمه عبر الزّمان ليشمل الأوّلين والآخرين، وقرن الكفار بالمنافقين والمنافقات وأخّر ذكرهم في التّرتيب للدّلالة على أن الكفر الصّريح هو أقل جرما من النّفاق لما يتسم به المنافق من ضعف الشّخصية، وسوء الطّوية، ولؤم السّريرة، وإن تكن جهنم هي مثّوى الجميع أي الكفار والمنافقين. فقد بيّن الله تعالى في سورة النّساء أن المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار، وهنا أضاف على عذاب جهنم أمورا ثلاثة تشديدا في الوعيد، وتنويعا للعذاب ما بين حسيّ ومعنويّ، فقال تعالى: (هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ)، أي هي ملازمة لهم وفيها ما يكفيهم من العذاب جزاء وفاقا، إلى جانب العذاب الرّوحيّ بحرمانهم من رضوان الله وطردهم من رحمته، وأكّد كل ذلك بقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ)، ليدلّ على ملازمة ذلك العذاب لهم، ولم يذكر نوعه ولا مكانه ليشمل كل الأنواع الحسية والمعنوية في الدّنيا والآخرة.

ولزيادة التّفصيل لمشابهة المنافقين بعضهم من بعض جاء التّذكير بتلك النّماذج السّيئة عبر التّاريخ البشريّ وأنها لاقت نفس المصير فقال تعالى: (كَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

٢٬٢٨٥ / ٦٬٧٦٧