نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٦٣

أعقب الله بيان أوصاف المنافقين وجزائهم الدّنيويّ والأخرويّ ببيان أوصاف المؤمنين وما أعدّ لهم من الثّواب والنّعيم في تقابل بديع بالتّضادّ، عطفه على ما سبق من قوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنم بَعْضٍ). فقال هنا: (وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ)، فاللّحمة التي تجمعهم هي الولاية بالمحبة في الله والتّناصر في إعلاء كلمته، فهم في ذلك كالبنيان المرصوص وكالجسد الواحد كما وصفهم رسول الله، ولا يتحقّق لهم ذلك إلا بالتّراحم والتّكامل في ما بينهم عن رضى وقناعة، وعن وفاء وإخلاص على عكس المنافقين الذين لا يجمعهم إلاّ الأهواء والمصالح، فهم في تشابههم وتقليدهم كأن بعضهم ناشئ من بعض في تواجدهم وتكاثرهم كالجراثيم الضارة.

وبعد وصف المؤمنين بولاية بعضهم لبعض أعقبه بالشّرح والتّفصيل لما يتميزون به من أعمال وخصال فقال: (وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ).

نجد الصّفات التي ذكرها الله للمؤمنين مقابلة بالتّضاد للصّفات التي ذكرت للمنافقين، فالمؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقد جعل الله ذلك من شارات الإيمان، ومن خصائص الأمة الإسلامية التي كرّمها الله بالخيرية على النّاس في قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران:110). وجعل مقابل: (يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) في المنافقين إيتاء الزّكاة عند المؤمنين، وجعل طاعتهم لله ورسوله مقابل التّمرّد والفسوق ونسيان الله عند المنافقين. وزاد عليهم المؤمنون بإقام الصّلاة على اعتبارها عماد الدّين وسياج الفضائل، وباعثا قويّا لذكر الله.

٢٬٢٨٩ / ٦٬٧٦٧