سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ١٠٩أخبر الله رسوله بواقع هذه الفئة من المنافقين الموجودين في المدينة وما حولها من الأعراب بأنهم مردوا على النّفاق، أي حذقوه وثبتوا عليه، فهم في ذلك كمردة الشّياطين، أي يمتازون في حرفة النّفاق حتى صاروا فيها أساتذة مهرة، بحيث يكون من الصّعب انكشاف أمرهم، سيما وقد دان النّاس لقوة الإسلام بعد فتح مكة، غير أن الله الذي يعلم أمرهم مهما أسرّوه، ينبّه رسوله إلى وجودهم على الإجمال حتى يبقى المسلمون في الحيطة والحذر منهم فلا يؤتون من مأمنهم.
والإخبار بعلم الله: (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) يراد به التّهديد، ثم أبقاهم في علمه هو، وليس للرسول علم بهم ولا معرفة بأعيانهم لحكمة يريدها تعالى كما قال تعالى في سورة القتال: (وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (30). ذلك أن هذا النّوع من المنافقين الحاذقين لا ينجرّ عن وجودهم كثير ضرر على المجتمع المسلم، إذ ينكفئ ذلك الضّرر على أنفسهم أكثر. وفي الإخبار بهم نوع من التّهديد علّهم يتوبون خشية الافتضاح كسائر المنافقين.
ثم أخبر تعالى بأنه سيعذبهم على نفاقهم بمقتضى علمه تعالى بحقيقة أمرهم فقال: (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ).