نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ١٢٢

وإذا كان هذا الحكم للمسجد العادي فهو أوكد للمسجد الجامع، فلا يجوز تعداد المساجد لصلاة الجمعة إلا إذا كبرت البلدة وضاق المسجد الجامع الأول بعمّاره، كما لا يجوز للإمام الذي صلّى بالنّاس في مسجد الضّرار أن يصلي بهم في المسجد الذي بني على التّقوى إلا إذا تاب وتبيّن عذره في ما فعل، كما حدث لمجمع بن جارية مع عمر بن الخطاب عندما طلب أن يصلّي بالنّاس في مسجد "قباء" فلم يأذن له بذلك إلا بعد ما تاب وتبيّن عذره بأنه كان جاهلا بما يقصده المنافقون.

ولم يقتصر الإرشاد الإلهي على النّهي عن الصّلاة في مسجد الضّرار، بل حرّض الله رسوله على الصّلاة في المسجد الذي أسّس على التّقوى من أول يوم، وهو مسجد "قباء" على الأرجح، وقيل: هو المسجد النّبويّ كما تفصح عنه بعض الرّوايات.

والتّحريض على الصّلاة في المساجد الطّاهرة من النّفاق والرّياء، إنما هو دفع لمكر الشّيطان ووساوسه مما يستلزمه نهي العبد عن الصّلاة في أوقات الدّعوة إليها، فلا يقع في طائلة قوله تعالى: (أَرَآيْتَ الذِي يَنْهَى، عَبْداً اِذَا صَلَّى) (العلق:9 - 10). فقال تعالى: (لَّمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِن اَوَّلِ يَوْمٍ اَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).

والتّعبير بالأفضلية: (اَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ) لا يقتضي جواز القيام في مسجد الضّرار، نظرا بأن التّعليل الوارد لبيان تلك الأحقية يدل على نقيض ذلك لمسجد الضّرار، ولذ زيادة على المفاسد الأربعة المذكورة له، وقد أثبت الله الأحقية بأمرين:

أ) - أنه: (اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِن اَوَّلِ يَوْمٍ): والتّقوى هي الاسم الجامع لكل ما يرضي الله قولا وعملا ونية.

٢٬٣٤٨ / ٦٬٧٦٧