سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ١٣٨ليس من شأن الله ولا مما يليق بجلاله وعدله أن يصف قوما بالضّلال بعد إذ هداهم الله إلى الحق، وبيّن لهم بواسطة رسله ما أرشدهم إلى طريقة المستقيم، فهو لا يؤاخذهم حتى يقيم لهم الحجّة ببيان ما يجب عليهم أن يتقوه من الأقوال والأفعال كما قال في سورة الإسراء: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (15) وفي ذلك حكم عامّ بأن لا عقوبة من الله لخلقه إلا بعد البيان، ومن ثمّ فإن الله لا يؤاخذ النّبي صلى الله عليه وسلم ولا يؤاخذ إبراهيم عليه السلام ولا المسلمين الذين استغفروا لآبائهم المشركين قبل نزول هذا النّهي، والإخبار بأن أولئك المستغفر لهم ميؤوس من الهداية والمغفرة لهم، فإنّ الله الذي قضى بذلك عليم بأحوال خلقه، لا يشرّع لهم إلا ما فيه نفعهم وصلاحهم.
ولتأكيده تعالى على علمه الواسع أعقب ذلك بقوله: (اِنَّ اللهَ لَهُ’ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ وَّلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ).
أي له مطلق التّصرّف والتّدبير في ملكوته، ومن مظاهر ذلك التّصرّف المطلق أنه تعالى يحي ويميت، حسّيا ومعنويا، وأن يتمّ وفق قضائه وقدره، لا يملك النّاس له دفعا ولا ردّا ولا يملك أولئك الذين تبرّأتم منهم ولايتكم ولا نصرتكم ولو كانوا أقرباء لأن الله هو وليّكم وناصركم، وهو تذييل مناسب لغرض الكلام، والمراد به التأييد للمسلمين وتثبيتهم على الاستمساك بآصرة العقيدة وتقديمها على كل آصرة أخرى، وبذلك تذهب عنهم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء والأجداد، امتثالا لقوله تعالى في سورة المجادلة: (لاَ تَجِدُ قَوْماً يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ’ وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَهُمُ أَوَ اَبْنَآءَهُمُ أَوِ اِخْوَانَهُمُ أَوْ عَشِيرَتَهُمُ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ) (22)، والله أعلم.