نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ١٥٨

تكرّرت الجملة الشّرطية لاختلاف الحالتين في أنواع التّهكّم والاستهزاء، وفي ذلك زيادة تفضيل لمدى رسوخهم في النّفاق والخبث، إذ يتسارقون النّظر ويتغامزون بغية التّسلّل من مجلس الرّسول خشية أن يفتضحوا، وفي قول بعضهم لبعض: (هَلْ يَرَاكُم مِّنَ اَحَدٍ) أي من الحضور معهم في مجلس الرّسول، فيه دليل على الخشية والحذر في التّسلّل والهروب فهم يتحيّنون فرصة الغفلة، وذلك يتطلب مهلة من الوقت. وهو ما يفيده العطف بـ"ثم" انصرفوا عن سماع الحق، محرومين من الاعتبار والاتعاظ، وقد أجازهم الله بما اختاروه من الزّيغ والضّلال، بأن ختم على قلوبهم بسبب فقدانها للفقاهة والفهم. وبالتّالي فهم معرضون عن تلك الأدلّة التي تنير سبيلهم لهداية الحق، وذلك من أشدّ العقاب، قال تعالى: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكَفُورُ) (سبأ:17).

فالله تعالى صرف قلوبهم عن قبول الحقّ، لأنّهم قد اختاروا ذلك لأنفسهم، إذ وطّنوها على الصدّ والإعراض، فهم لا يفقهون ما يسمعون من آيات القرآن، وإن كانوا حاضرين بأشخاصهم، لأنّ التّجاوب مع القرآن لا يتمّ بمجرّد سماعه والتّلذذ بإيقاع ألفاظه وكلماته، بل لا بدّ من التّأمل والتّدبّر الواعي، ولذلك أمر الله تعالى المؤمنين بالاستماع والإنصات معا، فقال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ' وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف:204).، والله أعلم.

منّة الله على خلقه ببعثه الرّسول وأخلاقه العالية

أ) - النّص:

/

/

/

ب) - التّحقيق اللّغوي:

٢٬٣٨٤ / ٦٬٧٦٧