سورة يونس
الجزء ٨ · صفحة ١٧١وتذييل البيان بقوله تعالى: (أَفَلا تَذَّكَّرُونَ) جاء بصيغة الاستفهام للتقريع، لأنهم لو كانوا يتذكّرون لأدركوا تلك الحقائق بديهة، فإن الدّلائل على وحدانية الله وقدرته، مبسوطة ميسّرة للنظر والتّأمّل، ولكن الإنسان تعميه الجهالة فيغفل وينسى. فهي -إذن- دعوة من الله تعالى لإدمان النّظر والتّأمل في خلق السّماوات والأرض، حتى لا يسهو المؤمن عن واجبه الإيماني، إذ تناوشه الشّواغل والملهيات.
وبعد إثبات مبدأين أساسيين في عقيدة المسلم أتمّ الله البناء العقائدي بالمبدأ الأساسي الثّالث في إثبات البعث والجزاء فقال تعالى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقّاً اِنَّهُ’ يَبْدؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ’ لِيَجْزِيَ الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ اَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ)
يجيء الإيمان باليوم الآخر في كثير من آيات القرآن تاليا للإيمان بوحدانية الله، لأن إثبات الحياة الأخرى يكون نتيجة لإثبات عظمة الله وقدرته، لأنّ الله الذي ثبتت قدرته في خلق السّماوات والأرض، وثبتت قدرته في الخلق والإيجاد الأول لجميع الكائنات، وذلك في المحسوس المشاهد لدى الإنسان -فإنه لا يعجزه أن يعيد خلق بعض الكائنات للمرة الثّانية- وبالقياس إلى مألوفنا نحن البشر- فإن إعادة العمل تكون أسهل من بدئه من غير سابق وجود، ولله المثل الأعلى إذ هو القادر تمام القدرة، فلا يوصف عمله بالسّهل أو الصّعب، لولا أن القرآن عبّر بأسلوب المثل والمقارنة وفق معايير تعبيرنا. فقال جلّ من قائل:
أ) - (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ’ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الاَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الروم:27).