نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يونس

الجزء ٨ · صفحة ٢٠٢

وإسناد التّسيير إلى الله: (يُسَيِّرُكُمْ) تعبير على امتنانه تعالى بما هو خير ورحمة، لأنه هو مسخّر تلك الأسباب ما هو طبيعيّ منها كالدّواب، وما هو من صنع الإنسان كالفلك والمراكب الأخرى، والعرب يعرفون تلك الأحوال في ما ألفوه من الرّحلات البريّة والبحرية.

ولما كان ركوب البحر من أكثر الأسفار تعرّضا للأخطار إذ يتقلّب ما بين هدوء وارتياح في حالة سكون الأمواج واستقرار صفحة الماء، وما يصحب ذلك من فرح واطمئنان للمسافرين، وما بين اضطراب وهياج للأمواج بسبب العواصف الهوج وما يصحب ذلك من الخوف والفزع، إذ تنقطع حيلة الإنسان وتتعطل وسيلته، فالموج يتلاطم من كل جانب، ويحيط بالفلك إحاطة العدوّ بخصمه بحيث يقطع عليه سبل النّجاة، حتى يتيقن بالهلاك، ففي تلك الحالة الحرجة، لا يجد الإنسان مهما كان كفره وعناده، لا يجد ملجأ إلا إلى الله يخلص دعاءه إليه طالبا النّجاة، متعهّدا بالشّكر بكل أيْمان إن لطف الله به وأنجاه من الهلاك، ولكن ما مدى وفائه بذلك العهد عندما يحسّ بالأمن والطّمأنينة؟، إنه الرّجوع إلى البغي والطّغيان، والتّنكّر لنداء الفطرة عند الضّيق والشّدة.

وجاء التّعبير بـ"إذا" الفجائية في جواب: "لَمَّا" للدلالة على سرعة التّنكّر عند الإنسان الجحود الكفور، وتقييد البغي: (بِغَيْرِ الْحَقِّ) لأن من معاني البغي تجاوز الحدّ في القصد والاعتدال، وهو محمود في خصال الخير أو في إنزال العقوبات على المجرمين.

وقد حرّم الله البغي والإفساد في الأرض لما ينجرّ عنهما من فساد العمران واضطراب الحالة الاجتماعية للناس، ولذلك أعقب الخبر بنداء النّاس الباغين، وبصيغة الحصر بيّن أن الباغين لا يضرّون إلا أنفسهم في الحقيقة والواقع فقال جلّ من قائل: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

٢٬٤٢٨ / ٦٬٧٦٧