سورة يونس
الجزء ٨ · صفحة ٢٣٣عطف الله على قوله: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ): جملة: (وَمِنْهُم مَّنْ يُُّومِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُومِنُ بِهِ)، وكلتا الجملتين بيان لحال مشركي قريش بطعنهم في النّبوءة والوحي. وبما أن قوله تعالى: (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) هو تهديد للمكذبين بتسليط العذاب الدّنيويّ عليهم -وقد يكون استدراجا أو استئصالا- فقد بيّن تعالى في هاتين الآيتين أقسام أولئك المكذبين في تفاوت تكذيبهم، وكيف يكون مستقبل أمرهم في الإيمان، وموقف الرّسول منهم فقال جلّ من قائل: (وَمِنْهُم مَّنْ يُُّومِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُومِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ، وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمُ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ).
شاءت حكمة الله أن يرفع عذاب الاستئصال عن أمة الرّسول، فأخبر في الآية الأولى أنّ المكذبين المشركين هم على فريقين في الحال والمآل، وذلك ما تفيده صيغة المضارع في قوله: (وَمِنْهُم مَّنْ يُُّومِنُ بِهِ)، أي:
أ) - فمنهم من يصدّق بنسبة القرآن إلى الله ويعلم أنّه حقّ، ولكنّه يكتم إيمانه مكابرة وعنادا في الحال وقد يؤمن به في المآل.
ب) - ومنهم من لا يؤمن به حالا ومآلا. بل يبقى على كفره وعناده.
وقوله تعالى: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ)، أي علم حال الفريقين عند الله، وأن الهداية وعدمها هي من الله وهو أعلم بالمفسدين منهم ممن لا رجاء في إيمانهم.