نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٤٠٢

(يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُه): إنها دعوة واحدة، شبيهة بدعوة هود في نصّها ومدلولها. كما أنّ صالحا ينتمي إلى قبيلة ثمود، وهي -أيضا- قبيلة عربية كانت تسكن مدائن الحجر التي جعل الله اسمها "الحجر" عنوانا لسورة كاملة، إذ قال في شأنها: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ، وَءَاتَيْنَاهُمُ ءَايَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ) (الحجر:80 - 81).

وإذ تتركّز كلّ دعوة على الإقناع والحجّة، فقد أقام صالح لدعوته دليلين هما سند لأمر قومه بعبادة الله وحده، إذ كانوا لا ينكرون وجود الله تماما، بل اتخذوا الأصنام شفعاء ووسطاء:

أ) - (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الاَرْضِ): وتقديم الضّمير "هُوَ" والإخبار عنه بفعلي: (أَنشَأَكُم)، و (اسْتَعْمَرَكُمْ) يفيد الحصر، أي هو وحده الذي خلقكم من مادة الأرض إذ خلق منها أباكم آدم، وخلق منه زوجه أمّكم حوّاء، ثم تسلسل الخلق بوسائط آبائكم وأمهاتكم وهو يتغذّون من نبات الأرض وحيوانها، وكلّ ذلك قد تمّ بتقديره وتدبيره، وفي ذلك عبرة لأولى الألباب.

ب) - (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا): أي سخّر لكم من قوة أبدانكم ونور عقولكم ما جعلكم تعمرون تلك الأرض بالبناء والحرث والزّرع، وأقدركم على استغلال خيراتها بأنواع الحرف والصّناعة، كما فصّل ذلك في سورة الشّعراء إذ قال صالح لقومه: (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ ءَامِنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ) (الشّعراء:146 - 149).

إنها نعم جديرة بشكر المنعم وهو المستحق للعبادة، فاستغفروه مما اقترفتم في حقه من الشّرك والعصيان، ثم توبوا إليه بعزمكم على الطّاعة مستقبلا.

٢٬٦٢٨ / ٦٬٧٦٧