نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة هود

الجزء ٨ · صفحة ٤٣٣

واجه القوم شعيبا بهذا التّهديد وهم يسلبون عنه كلّ تقدير أو تكريم منهم، غير أن الرّسول الكريم تأخذه العزّة والغيرة على جلال الله وحرماته فيجيبهم بكل ثقة واعتزاز: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِيَ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَاتَّخَذتُّمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً)، يواجه ذلك التّعالي بمثل هذا الاستفهام الإنكاري فهو لا يأبه من عزّة رهطه، لأنّه يعتزّ بقوة الله وحده، فهو ناصره عليهم وهو مجيره من بغيهم، وهم ضالّون في تركهم جانب الله وإعراضهم عن دعوة رسوله. وما أبلغ ذلك التّصوير لمشهد التّرك والإعراض برمي الشّيء وراء الظّهر إهمالا ونسيانا.

(اِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ): وإحاطة علم الله بأفعال عباده تعني أنه تعالى يجازيهم بما يستحقون من العذاب والسّخط. وفي ذلك تحذير من عواقب تماديهم على الكفر والعناد.

ثم يصعّد شعيب من لهجة التّحدّي فيتحرّش بقومه بإعلان المفاصلة بينهم وبينه، فلكلّ سعيه وعمله ولكلّ مصيره وعاقبته: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمُ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَّاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ).

يأتي هذا التّصريح بالوعيد بعد أن يئس شعيب من استصلاح قومه، وبعد أن جابهوه بالتّحدّي والانتقام، ولا يفلّ الحديد إلا الحديد، فلا مداهنة ولا مساومة، وفي يده نصاعة الحق وقوته، وإلى جانبه قدرة الله ونقمته، فلا مناص من المفاصلة بين الفريقين، فهو يأمرهم مهدّدا أن يعملوا متمكنّين من خطّتهم في ما يرمون إليه من عرقلة دعوة رسولهم، وهو يعمل وفق خطته -أيضا- بما آتاه الله من الحكمة والقدرة في إبلاغ دعوته: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَّاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ).

٢٬٦٥٩ / ٦٬٧٦٧