سورة يوسف
الجزء ٩ · صفحة ٥١وفي تلك المناجاة المخلصة استنجد يوسف بربّه ليعينه في لحظات ضعفه وعجزه حتى لا تخذله إرادته في الميل إلى اللّذة الحرام وإلى السّفه المقيت. وتلك هي غاية الأدب مع الله بنفي الغرور والتّزكية لنفسه.
(فَاسْتَجَابَ لَهُ’ رَبُّهُ’ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ’ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ):
أي حقق الله ما طلبه، إّ صرف عنه كيد النّسوة بتقوية نفسه وتثبيتها، فلم يؤثر فيه ذلك الإغراء، وببّيئس المفتونات من أن ينلن منه ما أردن. وفاء التّعقيب تدلّ على أن تلك الاستجابة كانت فوريّه، وذلك بمقتضى حكمة الله وإرادته فهو السّميع للمخلصين في دعائهم، وهو العليم بدوافع النّفوس في صدق إيمانها والعليم بما يصلح لها.
(ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الاَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ’ حَتَّى حِينٍ):
الضّمير يرجع للمعنيين الثّلاثة: العزيز وامرأته والشّاهد من أهلها، إذ هم المطّلعون على ملابسات القضية، وبدا لهم -أي ظهر لهم من الرّأي- بعدها ثبتت براءة يوسف -أن يحكموا عليه بالسّجن وذلك بالرّغم من ثبوت الأدلة على نزاهته وعفته. لأن مصلحة القصر تقتضي ذلك للتغطية على انتشار الخبر، سيما ما خبرته النّسوة في يوسف من عفّة ووفاء وإقرار سيدته بما فعلته معه. لأن السّجن يظهر يوسف في صورة المجرم الذي يستحق العقاب، ويوهم الرّأي العام بأنه هو الذي راودها عن نفسها، وأنها ذات سلطان على زوجها في إدارة دفة الحكم. وذلك كلّه يعكس ما كان يسود في جوّ القصور من المكائد والدّسائس كان فيه للنّساء والجواري القدح المعليّ.
-والله أعلم-
السّيرة الحسنة ليوسف في السّجن.
أ) - النّصّ: