سورة يوسف
الجزء ٩ · صفحة ٥٧استأنف يوسف بيانه لصاحبيه بالإشارة إلى ما خصّه الله به من تلك الموهبة، وأنها علم لدنّي علّمه الله إياه، بوحي منه وإلهام، وليس هو بكهانة ولا عرافة كما اعتادوا ذلك من علمائهم. وقوله: (مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيَ): ليبيّن لهما غزارة علمه وتنوّع فنونه لديه، لا ليشكر نفسه أمامهما، ولكن ليزيد من ثقتهما به، سيما إذا كان هناك غيرهما من المساجين الآخرين، ليمهّد بذلك إلى إبلاغ دعوته الإيمانية التي بيّنها بقوله: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالاَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ): فأيّ أدب رفيع في مثل هذا العرض، فهو لا يواجه الفتيين بما هما عليه من الكفر، بل ذكر القوم بصفة عامّة. وهم قومه الذين نشأ بينهم، والعزيز وحاشيته وقومه ممن ترعرع في أحضانهم، فهؤلاء كلهم لا يؤمنون بوحدانية الله وينكرون الحساب والجزاء في الآخرة، وقد جاء إنكارهم للآخرة مؤكدا بـ (هُمْ): للدّلالة على شدة ذلك الإنكار. وقوله: (تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ): لا يعني أنه كان عليها في يوم مّا ثم تركها لأن ترك الشّيء هو عدم الأخذ للشيء مطلق مع إمكانه. ثم بيّن مسلكه في عقيدته الصّحيحة، وأنه نشأ في أحضان ءاباء صلحاء وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب فجمع بذلك بين صلاح النّشأة وشرف الاصطفاء بما علّمه الله. وقد بيّن أساس تلك الملة بأنه التّوحيد الخالص لله تعالى. وجيء بنفي الشّأن وبصيغة المتكلمين. للدّلالة على أن فكرة التّوحيد قد تغلغلت في نفوسهم حتى أصبحت الصّفة الرّاسخة لها، لا يتصوّر وجود غيرها في تلك الأسرة المباركة وذلك كله من فضل الله عليها، وعلى من أرسل إليهم أنبياؤها من النّاس وفي ذلك إيماء لطيف إلى المخاطبين، إّ هم من سواء النّاس الذين يدعون إلى التّوحيد. ولكن أكثرهم لا يشكرون تلك النّعمة ولا يقدّرون ذلك الفضل، كما قال تعالى:
أ) - (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ:13).